[ يا قاضي السهر ]


يا قاضيَ السهرِ
اروِ لنا القصصَ ،
أخبرنا عن تاريخِ عشقِ العالمِ الخالي ،
أعلمنا ما الليل به …
هل يهتوي الرقصَ ؟
أم ذاق في أزمانهم شوقًا وآمالي ؟

أخبرني يا قاضٍ
عن عاشقٍ يعتب ،
أعتاد أن يتجادلَ أم يجهل الجدلَ ؟
بل ماذا عن جارٍ صار بقربهِ يتعب ،
يمنعه طوبُ جدارها من حكيِهِ الغزلَ ..

أنجدنا يا قاضي المحبّة حينَ نشتاقُ ،
ما الحل في البعدِ
وكيف الأرض تُختصرُ ؟
يا قاضِ إن القلبَ للأحبابِ توّاقُ ،
كيفَ لوعدِ لقاءٍ أن يغتالَه العمرُ ؟

الوقت قد طالَ ،
والعين ما انتبهت ،
أحبيبنا هنا قد أتى أم محض أوهامٍ ؟
فالليل ما زالََ …
وقلوبُنا جُنَّت ،
حتّى قتلنا الواقعَ من أجلِ أحلامٍ .


[ غريزة ]


توأم يقفان عند بائع البوظة ، يرى أحدهما بائعَ البالون فيستأذن الآخر ليذهب لشراء بالونتين .

الطفل الأول – يأخذ البوظة ، وينتظر أخاه .

الطفل الثاني – يذهب مسرعًا ، ويشتري بالونة له وأخرى لتوأمه .

الطفل الأول – يلتقي طفلةً جميلةً تبتسم لهُ .

الطفل الثاني – يعودُ مسرعًا ليعطي أخاه بالونة ، فيجد بوظته مع الفتاة .


[ طفلةٌ رجلُ سيجارة ]


تحت عمود الإشارة

طفلة رجل سيجارة

يمسك يدها بعنفٍ

يشرب التبغ بلطفٍ

يلعن المطر الغزير

أطفأ الكيفَ الكبير

يرمق الطفلة بنظرة

تبكي نهرًا ليس قطرة

” كفي عن دلع البناتِ

العقابُ آتي ، آتي “

تشهقُ الخوفَ الظلومَ

لا تذوق الحبَّ يوما

يصل عند الترابِ

يحفرُ قبر العذاب

يبرحُ الطفلةَ ضربًا

يفقدُ العقلَ و قلبًا

يدفنُ المسكينة حيّة

يبصقُ باسم التحيّة !

يحسبُ الأمر شجاعة

لا يحس بالبشاعة :

” سأعودُ للرجالِ

أظهرُ الحولَ بحالي “

تخرجُ عيناهُ فجِعة !

مات في حادثِ سرعة ..


[ رجلٌ وامرأة ]

– نظراتك جميلة.
– لم؟

– لا أعلم!
– هل لأنك لا تستطيع فهمها؟

– لا ، ولكن لها بريقًا طفوليًّا.
– تلك رقرقة حزن.

– ونعاس فاتن.
– ذاك إرهاق السهر.

– وسرحان هائم.
– تلك أفكار قلق.

– أحبها.
– ولكنها تشكو.

– أحب شكواها.
– ولكني أحب ابتسامتك.

– وحدها عيناك تبسمني.
– وحده حزني يسعدك.

[ الفن والفنان ]


في العادة ، يقسم الناس إلى أدباء وفنانين ، حيث يفصل الفن عن الأدب ، ولكن قد ننظر إلى الأدب كنوع من أنواع الفن ، فالفنون أشكال ، والفن مرتبط بالإحساس والذوق والأخلاق ، كما يرتبط الأدب بهم ثلاثةً ، فلا نتعجب حين يوصف الشاعر بأنه فنان ، والفن يتضمن فنون المسرح ، ومن فنون المسرح الكتابة المسرحية ؛ أي كتابة السيناريو والحوار ، وهناك أيضاً الفن القصصي ، وفن الخطابة ، وفن الإلقاء ، وهذا مما يجعل الأدب فنا عند البعض ، وهم غالبا من الكتاب .
إن الفن مصطلح يختلف تصويره للحظة الأولى من شخص لآخر ، فحين تحكي عن الفن مع ممثل فغالبا ما يترجم الفن للحظة الأولى إلى تمثيل وغناء ، وكذا حال المغني ، أما الموسيقي فسيكون تصويره أوسع ، فهو يرى العزف وتكوين المعزوفة ، والتلحين والغناء والشعر ، والرقص والتمثيل فنونا ؛ وهذا قد يرجع إلى أهمية كلٍ منهم في عمله اجتماعيا ، فالفيلم يعتمد نجاحه في المقام الأول عند الجمهور على الممثلين ، والأغنية تعتمد على المغني ، والمعزوفة تعتمد على المايسترو ، وأما المخرج والكاتب والملحن والعازف فهم على الرغم من أن تأثيرهم كبير إلا أنهم مهمشين عند من لا يتعمق في فنونهم وأخبارهم أو من لم يدرس تلك الفنون بشكل أعمق وأوسع . وإن سألت رساما عن الفن ، فإنه من اللحظة الأولى سيترجمه إلى الرسم والنحت والغناء والموسيقى وربما الشعر ومن ثم التمثيل ، والسبب الأكيد أن فنان الريشة يتصل بعدة فنون يستمد منها الإلهام .
الكثير من الرسامين إن لم يدرسوا دراسة تطبيقية لجميع مدارس الفن التشكيلي ، تجدهم يهمشون ما لا يتقنونه ، ولا يعتبرونه فنا ، فقد يرى من اختار الرسم الواقعي بلا شبكة أن كل من استخدم الشبكة مخادع وليس بفنان ، ولكن من وجهة نظر أخرى قد يكون اعتماد هذا الفنان على إبداعه اللوني وبراعته في إبراز العنصر من خلال الإضاءة والظل وإحساسه ووضعه للمساته الخاصة ، فهو لا يرى نفسه رساما بقدر ما يكون ملوّنا بارعا ، وكلها فنون ، فقد أبدع العلماء قديما برسم الخرائط وتلوينها مستخدمين الشبكة للتكبير والتصغير بأبعادٍ مماثلة ، وهذا ذكاء بحد ذاته ، وقد يرى من اختار الرسم التشكيلي أو التجريدي أن الواقعية ليست بفن ، لأنها تنقل ما هو موجود واقعيا بشفافية ووضوح على لوحة من صنع إنسان ، على الرغم من أن كبار الفنانين الأوروبيين اشتهروا بلوحاتهم الواقعية ، وأن المدارس الفنية جميعًا قد ارتبطت بالواقعية في المقام الأول ، فليوناردو دافنشي اختار واقعية الملامح الرومانية والإيطالية ليجسدها في رسوماته بأسلوبه الخاص ، والتكعيبية على يد بيكاسو اعتمدت على تجريد الواقع من ملامحه وتحويله إلى خطوط هندسية غير منظمة ، والسريالية على يد سيلفادور اعتمدت على ربط الخامات الواقعية بأفكار خيالية غير واقعية ، والتأثيرية عند ?ان غوخ كانت مضافة إلى رسم واقعي حر الأبعاد ، فالرسم الواقعي فن وإن لم يكن إبداعا ، لأن الإبداع ابتكار لما هو جديد ولم يسبق فعله من قبل .
ولكل فنان لمساته الخاصة ، وقد يسهل التمييز بين لوحة الفنان الرجل ولوحة الفنانة الأنثى ، فحتى وإن كان من شروط أي لوحة وجود الإحساس وتضمن فكرة ، إلا أنه غالبا ما يكون تركيز الرجل في لوحاته على أفكاره وتركيز الأنثى في لوحاتها على أحاسيسها ، كما قد يسهل التمييز بين لمسة كلٍّ منهما ، فالفنان الرجل جريء في لمساته ، والفنانة الأنثى رقيقة في لمساتها ، وجمال نتاجهما في عفويتهما تلك ، والعفوية عنصر فعال في العمل الفني ، فما إن ينقص ، ويزيد التصنع حتى ينقص الإحساس في العمل الفني وإن صقلت الفكرة ، فإني أرى أن الإنسان إن جرب أمورا لم تكن في رغبته ولا بعفويته ، بل فقط لإثبات قدرته على إتقان الكثير ، فإنه يفقد جزءا كبيرا من هويته تدريجيا ، ويصبح معبرا عن ذاته بما لا يعبر عنه ، لذلك قد يعيش مشتتا حتى يجد نفسه بعد جهد في طبع فني بأسلوب خاص يعبر عنه .
وأما الفنان فهو لفظ يطلق على الإنسان الممارس للفن ، وبناء على هذا التعريف البسيط يلزم المحب للفن أن ينتقل أولا من درجة الإنسان حتى يصل إلى درجة الفنان بفنه ، فلكي يكون الشخص فنانا يتحتم عليه أن يتصف بصفات الإنسانية ، أو أقلها أن يتحلي بالخلق ، فالخلق في بعض الفلسفة ليس إلا فنا ، والفن في بعض الفلسفة أخلاق .
ومن حسن الخلق ترك المرء ما لا يعنيه وعدم امتهان ما لا يختص به ، لذا فإن من أخلاق الفنان ألا ينتقد فنانا وعمله إلا إن كان دارسا للفن بشكل وقدر يؤهلانه للنقد ، وأما مَن دون ذلك فمن اللازم أن يكتفي بإبداء رأيه حسب ذوقه أو خبرته السابقة من خلال القراءة الفنية والممارسة التطبيقية ، نظرا لأن النقد يجب أن يتجرد تماماً من الآراء الشخصية فهو دراسة مبنية على أسس ولا تتأثر بأسلوب فنان معين ، ولكن الرأي الشخصي قد يظهر أسلوب الشخص صاحب وجهة النظر ، ومن الضروري تنبيه الناقد الفنان على ألا يقترح أسلوبه الفني على الفنان الآخر وعمله بشكلٍ مباشر أو غير مباشر ، فمن حق الفنان أن يتطبع بأسلوب فني خاص به لا يشبه أسلوب فنانٍ آخرٍ .