[ المراهقة كذبة ]

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎شاهدت مقطعًا لشاب يعظ الجميع بترك الشهوات وقد أشاد به الكثير، ووجدت فيما ذكر عدة نقاط مثيرة للاهتمام وشعرت بالحاجة لإبداء رأيي بها ونقدها والتعليق عليها، لكني سأكتفي بالتعليق على بضع نقاط أراها الأهم.

يقول الشاب في مقطعه:

“ما من شيء اسمه فترة مراهقة في الإسلام، بل هناك مرحلتان فقط: طفل ثم رجل، أو طفل ثم بالغ.”

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎بالنسبة إلي، لا أعتب على الشاب، لأنه -كما يبدو- صغيرًا، ولأن طريقة تحليله أظهرت ذكاءه بما وصله من علم، لكني أود هنا أن أطرح سؤالًا على كل من يؤيد كلامه:

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎– هل تجده أمرًا منطقيًّا، أن يُسامَح الشخص على ذنب اقترفه يوم السبت -مثلًا- لأنه ما زال طفلًا، ثم يُحاسَب على تكرار الذنب يوم الأحد لأنه صار بالغًا/رجلًا؟

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أعني، أن من يؤمن بالله يعلم أنه “حكيم”، ويعلم أنه -سبحانه- حرّم الظلم على نفسه، ولأن الله خلق الإنسان وتكوينه وتفاصيله “وطريقة عمله” فهو الخبير العليم بضرورة تدرج الإنسان، والتدرج معه في كل شيء تقريبًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎إذا كانت الشمس تستغرق نحو 20 دقيقة حتى تغرب تمامًا كي لا يتضرر البصر ولا الشجر… إلخ، فهل يعقل أن كل ما يحتاجه الإنسان ليتحول من عصفور في الجنة إلى حطب لجهنم هو علامة بلوغ واحدة؟ هل كل ما يلزمه ليكون مسؤولا عن كل شيء يقوله أو يفعله أو يؤمن به هو لحظة واحد يدرك فيها أنه بلغ؟

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أحزنني قول آخر للشاب في مقطعه معناه أن مرحلة المراهقة هي كذبة علمية، غرضها الأساسي انخراط هذه الفئة العمرية في الشهوات بلا رقيب ولا حسيب، وأنها كذبة تضر بالمسلمين.

إن الإيمان نظرية المؤامرة هذه، مشكلة عظيمة!
ومعارضة كل ما يثبت علميا باسم الدين، لهو شيء فظيع!

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎مؤسف أن يؤمن شاب في هذا العمر بهذه الفكرة ويقول إن العلماء يدّعون وجود مرحلة عمرية كسن المراهقة، فقط لكي يشغلوا جيلنا في البرامج الترفيهية (تيك توك والسناب شات ونحوهما) فلا يُنتج شيئًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎بعيدًا عن إفراط فئة كبيرة من المراهقين وغيرهم في استخدام الألعاب ومواقع التواصل، ليس المسلمون وحدهم من يستخدم هذه التقنيات الحديثة، لسنا وحدنا من وصل إليه التطور بسلبياته وإيجابياته، ليس المسلم وحده من أطلَق عليه العلم “مراهقًا” في مرحلة ما.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أما الضرر من ضياع الجيل الجديد ليس حصرًا على المراهقين، بل إنه ضرر يصل لكل الفئات العمرية إن ضاعت شريحة كبيرة كالمراهقين، لأن الفئة العمرية هذه هي أساس المستقبل البشري في كل عصر، إما في استكمال التطوير العلمي والتطور الحضاري بأنواعه أو في تربية من يقوم على ذلك مستقبلًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎محزن جدا ومخجل ومعيب أنه كلما نصح طفل أو شاب صغير المجتمع نصيحة متبعة باستشهاد “قال الله وقال الرسول”، هلل الجميع وكبّر وأثنى على حكمته وعقله.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎ونعم بالله تعالى ونعم برسوله الكريم، ولكن قبل الإشادة بكلام الشاب أو الاعتقاد به، لمَ لا تتفكرون فيه قليلًا {يَا أُولِي الأَلبَاب

[ يا خيرُ ربي ]

لمَ تستهين بقدرك؟
يا من أتى
بجنود خيرٍ اتجاهها هالتي

بيضاء صارت
مستنيرة
وظلها
قد غادر الدنيا
كحالِ كآبتي

أخبرتني أني السعادة كلها
ووجودي وحدي
ضامنٌ لسعادتي

أنا إن ضحكتُ مرةً
من دونكَ
أضعافها تشهد
وأنتَ برفقتي

يا خيرُ ربي
يا هباتٌ أُنزِلت
من عنده
ليزيح عني كربتي

لا تستهِن بمكانتك عندي
ولا
تنكر حلاوة
كونك بمعيتي



19 أغسطس 2017م

[ لو كنتَ هُنا ]

أترجم لكم من الفرنسية هذه الكلمات التي كتبتها وغنتها الفرنسية لوان إمرا
إثر فقدها لوالدها الراحل قبل أن تتبعه والدتها بعام واحد.

لو كنتَ هُنا

أحيانًا ما أفكر بك
على متن العربات
أسوأها في السفر
كخوض المغامرات

حيث تحيي أغنية ما
إحدى الذكريات
والأسوأ
أن تراودني أسئلة
بلا إجابات :

“هل تراني؟
أتسمعني؟
ماذا كنت لتقول
لو كنتَ هُنا؟

أتلك رسائل
منكَ تصلني؟
ماذا كنت لتفعل
لو كنتَ هُنا؟”

أروي لنفسي حكايات
كي أنام
ولتنام معي الآلام
وأبتسم..

أصوّر فيها حوارات
مع أناس
لا وجود لهم بيننا
في الأساس..

لا آبه بالخوف
من أن لا أصطبر
موقنة بقربك
وإن كان ضربًا من الجنون..

فُطر المجانين
على كشف المستتر
وعلى أن يجعلوا
الركاب ينتحبون..

هل تراني؟
أتسمعني؟
ماذا كنت لتقول
لو كنتَ هُنا؟

أتلك رسائل
منكَ تصلني؟
ماذا كنت لتفعل
لو كنتَ هُنا؟


Louane – SI T’ÉTAIS LÀ

[ أنا قوي.. أنا قوي! ]

دائمًا ما أفكر في الفئات التي تسعى لإثارة الجدل وتصنف نفسها في تيارات وتحت مسميات معينة، وأصل لتحليل أنها لو لم تكن تشعر بضعفها لما فعلت كل هذه الضجة.


بمعنى أن القوي لا يحتاج لأن يردد “أنا قوي، أنا قوي”، بينما الضعيف ليقوى يردد ذلك لنفسه، وإن لم يكن قادرًا على التطور والتخلص من ضعفه أقحم الناس كلهم وردد على مسامعهم: ” أنا قوي، أنا قوي.”


يطول شرح هذا الأمر ويصعب حصر أمثلته والمعنيين فيه، لذا ما زلت لا أشعر بأني على استعداد لطرح شرح مطول عنه وتفسيره، لاعتقادي بأن المعنى المقصود لن يصل إلا لبضعة أفراد، وأنه قد يُرى كهجوم على جنس أو عرق أو دين.

بالمناسبة، أذكر محاضرة للدكتور عبدالله الغذامي حضرتها منذ عام تقريبًا حكى فيها عن الأخوية النسوية، وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذا المصطلح: “الأخوية”، فسر عندها الدكتور الأخوية النسوية بأن المرأة قد تكون عدوة للمرأة.. بعيدًا عن صحة ذلك من عدمها، بدأت أسأل نفسي منذ تلك الليلة: يا ترى من ذا الذي قد يعادي شبيهه؟ وما أسبابه؟


حتى اليوم، وجدت أن معاداة المتشابهين لبعضهم غالبًا ما تحصل في الأقليات أو الفئات المضطهدة من المجتمع أو غيرها، أي أن الفئات الأقل سلطة في المجتمع قد تخلق العداوة بين أفرادها بشكل أكبر من الفئات الأكبر سلطة، لكنها في المواقف الشبيهة بالغربة قد تكون صديقة جدا.

ليست العداوة فقط ما يمكن ملاحظته في هذه الحالة، بل أيضًا قلّة التميّز، بمعنى أنه كلما كان لفئة ما سلطة أكبر من الفئات الأخرى، كان تنوعها أكبر، فتجد أفرادها مختلفين من منطقة لأخرى ومن دولة لأخرى بينما الفئات الصغيرة الأقل سلطة أو الأقليات يتشابه أفرادها في أي مكان على وجه الأرض إلى حد كبير جدا في العادات والطباع والأفكار.


نسبة كبيرة مما سبق قد يكون باطلًا أو أن غيري يلحظ نقيضه، ربما غفلت عن جزء كبير من الصورة ولم ألحظه قط وبعد، وقد أكون أدركته جيدًا.. على كل حال، هذا الأمر مثير للاهتمام.. أليس كذلك؟

[ الفلسفة طريق الإلحاد ]


لطالما كانت الفلسفة موضوعًا مثيرًا للجدل، وما زال هناك إلى اليوم من يعتقد أن لا فائدة منها، والاتهامات الملصقة بالفلسفة أو مفهومها كثيرة، أشهرها أنها سبيل للزندقة.

هل الفلسفة طريق الإلحاد ؟

طُرح هذا السؤال في أحد مواقع التواصل الاجتماعي ووجدت أن الإجابة عليه إن كانت مختصرة فتحتاج إلى شرح عدة نقاط للوصول إلى خلاصة واضحة قد تُختصر في جملة واحدة.

بدايةً، لا أعتقد أن أي نوع من أنواع العلوم الإنسانية أو الطبيعية هو بذاته طريق إلى الإلحاد، فالوصف هذا يشير إلى أن قراءة كتاب واحد في الفلسفة هو خطوة أولى باتجاه الإلحاد. لذا سأغير صيغة السؤال وأسأل:

هل الفلسفة تحيد المرء عن اعتقاده الديني؟

بمعنى هل اطلاع الملحد على الفلسفة يقوده للإيمان بوجود الخالق؟ هل اطلاع المؤمن على الفلسفة يقوده إلى إنكار وجود الخالق؟ وهكذا.

ما معنى الفلسفة؟

في تدوينة سابقة بعنوان العلاقة بين الفلسفة والحكمة بحثًا لغويا بسيطًا تطرقت فيه إلى معنى كلمة الفلسفة. باختصار هذا المصطلح يعني في الأصل حب الحكمة، وللحكمة أربعة معانٍ، العلم والعلة والعدل والكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه، ووضحت عندها أن العلم والعلة فقط يتوافقان مع معنى الفلسفة، لكني سآخذ هنا العدل أيضًا بعين الاعتبار. بتعبيري عن العلم بالعلم والعلة بالبحث عن الأسباب والعدل بالقانون.

على افتراض أن الفلسفة تعني حب العلم أو حب القانون أو حب البحث عن الأسباب، أرى أن نسبة تأثير الفلسفة على اعتقاد الفرد الديني تعادل نسبة تأثير كل من العلم والقانون والبحث عن الأسباب عليه، ولكي يؤثر كل مما سبق على اعتقاد الفرد الديني بطريقة تحيده عنه يشترط وجود أربعة عوامل:

1- الشك:

يجب أن يوضع الشك بعين الاعتبار، فلا يمكن لأي شيء يقرأه الإنسان أو يسمعه أو يراه أن يؤثر على اعتقاده الديني ما لم تكن في أعماقه نسبة شك تجاه هذا المعتقد، فالشخص المؤمن تمامًا بفكرة ما يبعد جدا عن الميل عنها.

2- التعمق:

إن الجانب الديني لدى الإنسان فكريًّا وروحانيًّا عميقٌ جدا، يرتبط به ارتباطًا قويًّا يحيل على الأفكار المختصرة فكّه. لذا فلا يمكن أن يمس اعتقاد الإنسان الديني مجرد الاطلاع على الفلسفة أو العلم أو القانون أو الأسباب.

لكي تؤثر فكرة ما على جانب متأصل في الإنسان -كمعتقداته الدينية- عليها أن تكون عميقة، أما الإطلاع فلا يوصل ولا يكوّن أفكارًا عميقة من شأنها أن تحيد الإنسان عن اعتقاده.

3- معارضة المعتقد:

لكي يؤثر فكر ما على اعتقاد الإنسان الديني، لابد وأن يكون معارضًا ولو بنسبة بسيطة لمعتقده، يختلف إيمان الفرد منا عن إيمان الآخر حتى وإن كان على نفس المذهب، ونسبة الشك إن تشابهت فقد تختلف في نقطة الشك، قد يؤمن مسلم ما إيمانًا تامًا بعقيدته لكنه يشك ببعض الأمور الفقهية، وآخر يشك بالأمور الفقهية المتواترة غير المنصوص عليها وآخر يشك بالأمور الفقهية المنصوص عليها في الأحاديث لا في القرآن، وآخر قد يؤمن بكل ما وصله من الكتاب وعن الرسول ولكنه يحمل نسبة شك تجاه وجود حساب بعد الموت. كل منا يختلف في درجة إيمانه ونسبة شكه وتفاصيل معتقداته الدينية عن الآخر، ولكي تؤثر فكرة عميقة ما على اعتقاد أي شخص يجب عليها -بوجود نسبة الشك- أن تلامس ما يعتقده، فقد يتأثر المسلم المعتقد تمامًا بإسلامه غير أنه يشك بنسبة ما في موضوع الحياة الآخرة، بمذهب فلسفي يغذي شكه في الحياة الآخرة.

4- نزعة التطرف:

إن مظاهر التطرف كثيرة، منها التطرف الديني والتطرف السياسي وغيرها، ودرجاتها تختلف، فقد تصل إلى معاداة كل مخالف في الاعتقاد -كما هو حال الإرهابيين- وقد لا تصل إلى ذلك وتكتفي بجوهر وأساس التطرف ألا وهو أن لا يؤمن الشخص إلا باعتقاد واحد ولا يقبل سماع اعتقاد آخر ولا يأخذ أي اعتقاد مخالف بعين الاعتبار.

لكي يؤثر تعمق الإنسان في الفلسفة على اعتقاده الديني لابد من وجود نزعة التطرف لديه، ولا أقصد هنا أن يكون مطرفًا في معتقده، أي لا أقصد بالضرورة أن يكون -مثلًا- السني متطرفًا أو الكاثوليكي متطرفًا أو اللاديني متطرفًا، بل أقصد وجود الميل إلى التطرف لدى هذا الإنسان، أيًّا كان معتقده الديني.

بمجرد أن تكون لدى الفرد نزعة التطرف، فإن تعمقه فيما يخالف اعتقاده الديني من فلسفة (أو علم أو قانون أو…) تعمّقًا تطرفيا قد يقوده إلى الميل عن اعتقاده، والسبب في ذلك أنه بمجرد أن يجد ما يغذي شكه في قانون علمي أو تيار فلسفي قد يعجب بالأفكار الأخرى التابعة لهذا العلم أو لهذه الفلسفة أيًّا كانت، ويتطرف في تياره الجديد فلا يقبل النظر في غيره ثم يبدأ بقبول كل ما فيه حتى يتغير ربما اعتقاده الأساسي.

لذا إن كان هناك عالم أحياء مهتمًّا بعلم الآثار، مؤمن بالخالق وبديانة سماوية ولكنه يشك في قصة خلق آدم، قد يؤدي تعمقه إلى الإيمان بنظرية التطور لدارون ثم إن تطرف في ذلك قد يؤثر ذلك تدريجيا على إيمانه بوجود خالق وميله إلى التيار الطبائعي أو الصدفي. وإذا كان هناك طبيب مهتم بعلم الأمراض مثلًا، لاأدريّ المذهب، واكتشف أو واجه ما يشير إلى وجود إله، فقد يميل عن اعتقاده الديني ويؤمن بوجود الخالق. والأمثلة لا حصر لها.

خلاصة القول، إن الفلسفة وغيرها لا احتمالية لتأثيرها على اعتقاد الإنسان الديني إلا بوجود عوامل أربعة: الشك، والتعمق، ومعارضة الاعتقاد، ونزعة التطرف.

لذا فلن تخرج الفلسفة الإنسان عن اعتقاده الديني إلا إذا كانت لديه نسبة من الشك في معتقده وتعمق تعمقًا تطرفيًّا فيما يلامسه ويعارض اعتقاده ولكنه يغذي شكه بطريقة ما.

[ اليوم الأول ]

عندما تجتمع رحمة الله بسخرية القدر..

اليوم هو ذكرى وفاة عمي الأولى، في مثل هذا اليوم بعد أن غربت شمس الرياض من السنة الماضية، رحل حبيبي ولم نكن قد أكملنا يومًا واحدًا بعد آخر اجتماع به.

أذكر جيدا تفاصيل تلقي الخبر المفجع، تلقيته على بعد بضعة أمتار من حيث أجلس الآن، وأين أنا؟ أنا على مقاعد الانتظار في مقر عملي الجديد، في يومي الأول.

كان من المفترض أن أبدأ منذ أربعة أيام، أي في أول أيام السنة الجديدة لكن الله شاء أن أبدأ اليوم. أذكر هنا أني كنت على وشك حضور مناسبة سعيدة لصديقة قديمة هذه الليلة، ولكن عمي لم يغب عن بالي، لست أؤيد تمييز أيام ذكرى وفاة الأشخاص، ولكنني وجدته من غير العقل ولا من الإنسانية ولا من المحبة والتقدير أن أرقص في الذكرى الأولى من وفاة عمي الأكبر، صديقي الراحل.

لم أكن أعلم ما الحل، أن أتبع قلبي أو عقلي، هل ألبي الدعوة -فقد اشتقت إلى صديقتي- أم أعترف لها بسبب عدم تقبلي للأمر؟ لكن الرحيم وحده أكرمني برحمته يومها وشاء أن يتأخر أول يوم عمل لي إلى هذا اليوم.

لم أنم جيدا، فلا شيء يوقف الأرق عندما أقلق، خاصة عندما تقلقني البدايات تحديدًا.

  • ما مشكلتي الأبدية؟
  • الخطوة الأولى.

أعلم أن الكثير على هذه الأرض قد يرون ذلك تشاؤمًا، ولكني أراه شفافية، الخطوة الأولى تؤرقني في معظم الأحيان.

كان عليَّ أن أصحو مبكرا وآتي مبكرًا كي أختبر حركة المرور في هذه الساعة من كل يوم عمل، صحيح أنه مقر عملي السابق ذاته ولكن التوقيت متقدم بساعة، وبصراحة تامة، لم يكن يومًا مناسبًا لاختبار الطريق لأن اليوم يوم إجازة مدرسية لن تنتهي قبل أسبوع من الآن كما أنه يوم ماطر يمنع الناس من مغادرة منازلهم إلى وسط المدينة.

بعد تكرر حوادث سيول الرياض وجدة في العقد الأخير أصبح الناس، معظم الناس، يخشون الأمطار ويلزمون منازلهم قدر الإمكان، لم يعد تأمل المطر يمتعهم إلا من خلف النوافذ.

فقد الكثير ذويهم، أهليهم، أصدقاءهم، جيرانهم، كم من فتاة فقدت حبيبا لها كانت تخفيه عن الأنظار والمسامع، وكم من شاب فقد من كان يرى فيها مستقبله، بل أني بنفسي سمعت أن قطنا غرق في سيل الأمطار.

إن الموت لموجع، لكن لولاه لما استمتع أحد بالحياة، لكي تستمتع بالحياة عليك إدراك حقيقة الموت، هذا جزء مهم من صفقة الاستمرار على قيد الحياة والاستمتاع بها.

أصل اليوم قبل أهم أفراد الشركة، كلهم قد اعتادوا على القدوم إلى العمل، وجميعهم على علاقة جيدة بصاحب العمل، أما أنا فتحت المراقبة، أعني، حرفيا، فالقمرات تحيط بي من كل اتجاه، بل أني في مرة سابقة قال لي موظف الاستقبال ليؤكد وجود المدير: “إنه يراك الآن من حاسوبه”. بربكم، من منا يعيش حريته؟ إن لم نكن في كل حين مقيدين ومراقبين فإننا على الأقل بين الناس كذلك، ألسنا كذلك؟

ها أنا ذا أنتظر بدء العمل، ما زلت والعمال وحدنا، ومن صرت بديلة له لم يستقبلني بحفاوة كما كنت بجلالي أتوقع، أعني منطقيًّا، من يسعد بحضور من يحل مكانه؟

المضحك المبكي أنه قد أغلق عليه مكتبي، أعني مكتبه السابق، وتركني في الخارج أنتظر على الرغم من أن عليه تدريبي اليوم.

  • أول درس أتعلمه من العمل الآن: الصبر.
  • أول توبيخ: لا تتعجلي في الحكم على الآخرين.

على “طاري” الصبر، لمَ يقال إنه مفتاح الفرج، ألن يأتي الفرج في وقته إن كُتب وقُدّر لنا صبرنا أم لم نصبر؟ وهل لنا إلا الصبر عند انتظار الفرج؟ إنه ليس خيارًا بل فرضٌ، وما نحن إلا ملزومون به.

أجلس هنا على مقعد الانتظار، وباب مكتبي الجديد موصد في وجهي، ولكن: الصبر مفتاحه. أسمع جيدا قوة المطر من بعيد، أسمع جيدا صوت معالج حاسوب مكتبي، وصوت سخانة الماء، وصوت الأقدام خارج الشركة، أسمع زميل عمل وهو يحتسي كوب الشاي، أظنه شايًا، لأنه يحتسيه بسرعة مصدرًا فحيحًا في كل مرة يبتلع فيها رشفة منه، يبدو لطيفًا جدا، ولكنه بدأ للتو بالعمل هنا، وتظهر على وجهه تعابير الخوف، الخوف من الخطأ والنقد والطرد، لكني أراه سيبقى هنا بعدي لوقت طويل، حدسي يخبرني بذلك.. ها قد مضت ربع ساعة ولم يأتِ أحد بعد، وما زلت أكتب والحماسة في انطفاء تدريجي. ولا أقدام تقترب من الباب، سأكمل ساعة على هذا المقعد منتظرةً.

هاهي الأصوات تقترب، أظنهما فردين على أقل تقدير، واحد، اثنان، ثلاثة، هيا.. واحد، اثنان، ثلاثة.. الآن.. حسنًا واحد، اثنان، ثلاثة، لا أحد.. أخطأت.. لا لم أخطئ ولكني أجهل هوية هذا الرجل المسن، أشعر بأني سأبدأ العمل خلال دقائق.. إلى لقاء قريب!

‏5 يناير 2020م

[ مصدر غير موثوق ]

     من المعروف أن الترجمة مظهرٌ من مظاهر تحضر الشعوب، والاختلاف الثقافي بأنواعه من مظاهر الحضارة الإنسانية، وما أؤمن به هو أن المترجم الذي لا يتقبل اختلاف أفكار المؤلفين -الذين يترجم لهم نصوصهم- عن أفكاره الخاص فليس إلا ثغرة حضارية، وطفرة تاريخية ضارة.
     إنه لمن المؤسف أحيانًا أن يصيغ بعض المترجمين ترجماتهم بما يتناسب مع اعتقاداتهم واعتقادات الجمهور المتلقي، دون أن يأبهوا بحقوق المؤلف ودون أن يحترموا فكره وإيمانه ومعتقداته أو على الأقل المعنى الذي يود إيصاله للقارئ أو المشاهد أو السامع. أي أن هذه الفئة من المترجمين تحرص حرصًا لا جدوى منه فتقدم به اختيار الأفكار المقبولة شخصيا واجتماعيًّا على الأمانة المهنية وحفظ الحقوق الفكرية.
     من المقبول جدا أن يراعي المترجم حساسية المتلقي تجاه الألفاظ البذيئة فيهذب ألفاظ النص الأصلي، لا أجد في ذلك عيبًا على الرغم من وجود علامة ترقيم تفيد حذف الكلمة تشبه في ذلك الصوت الحاجب للألفاظ البذيئة في الأعمال المصورة أو الأغاني المسجلة. لكن انتقادي للمترجم الذي يتعمد إخفاء معتقد المؤلف وتحوير معانيه إلى ما يناسب معتقدات الفئة المتلقية أو ربما معتقداته الشخصية كمترجم.
     في أحد البرامج التلفزيونية الكوميدية تتساءل شخصية مسيحية ملتزمة -باللغة الإنجليزية- عما إذا كان التحليق بالمنطاد في السماء يوصلها إلى الجنة، تُرجمت عبارتها إلى العربية هكذا: “هل من الممكن أن توصلنا السماء إلى السماء؟” فكانت نتيجة حرص المترجم سيئة جدًّا شكلًا ومضمونًا.
     وفي بعض الأعمال الأخرى كالكتب بصفة عامة وكتب المتنور “أوشو” بصفة خاصة، تجد المترجم العربي الذي يؤمن بأن اسم إلهه “الله”، يغير لفظ “الإله” إلى لفظ “الله” -بطريقة أجدها أنانية جدا وغير ذكية أبدًا- رغم أن المؤلفين -إن كانوا متدينين- ربما هندوس أو مجوس أو سيخيون أو حتى يعبدون إلهة أنثى، ومن يقرأ لأوشو -مثلًا- ممن يقدسون الله يعي تمامًا أن هذا الاستبدال لا يحفظ الدين من أن يجرح بل إنه يسيء إلى قدسية الله هنا.
     لا أعتقد أن أحدًا يخفى عليه اليوم ما وصلنا إليه -كمجتمعات- من الوعي العالي والحرية في القدرة على اختيار معتقداتنا وأفكارنا دون تدخل الغير، والحفاظ عليها دون تأثير من الآخرين، فإن أراد اليوم مؤمن أن يلحد فسيلحد بإقتناع تام أنه اختار الصواب، وإن أراد ملحد أن يؤمن فسيؤمن أيضًا باقتناع تام أنه اختار الصواب، فلا حاجة للمترجم من أن يخشى على أحدهما من أن ينحرف عن سراط مستقيم.
     ربما في السياسة قد يحتال المترجم على الأحزاب الأخرى بالتحريف لمصالح سياسية، لكن تحريف معاني النصوص العلمية الطبيعية والإنسانية لتناسب المتلقي وما يعتقده ليس إلا خطأ، وربما دل على رجعية المترجم وتحجره الفكري وتطرفه أحيانًا، كما أن نصوص الأدب بأنواعه بمثابة كنز ثقافي لكل شعب وهوية له وللفرد الواحد المؤلف للنتاج الأدبي، لذا لا يحق أبدًا للمترجم العبث في معانيها.
     إن العمل أمانة، وإن الترجمة من أكثر الأعمال التي تتطلب من صاحبها أن يكون أمينًا، فما الترجمة إلا طريقة لإيصال الفكرة للمتلقي من لغة لا يفهمها، أي أن المترجم غالبا ما يكون المصدر الوحيد لإدراك فكرة ما أو إيصال رسالة ما أو معلومة ما، فإن لم تكن مترجمًا أمينًا فأنت مصدر غير موثوق.
     إن كنتَ مترجمًا لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية الأمانة المهنية في ترجمته ولا يستطيع حفظ الحقوق الفكرية للمؤلف فاترك الترجمة وابحث عن حرفة أخرى وتخصص آخر يتطلب الحيادية والدبلوماسية ولا يحتاج إلى الموضوعية والشجاعة.