[ ما أزال ]

     تظن أحيانًا أن نفسك تتعرى أمامك من كل ما يخفيها عنك فتحسب مشاعرك هي فقط ما تظهر لك في الحين، ولكن موقفًا واحدًا وفي لحظة تزدحم بين اللحظات تخرج من نفسك الظاهرة نفسًا باطنة هي أضعف أو أقوى أو أرق أو أقسى.. تملؤها مشاعر غابت لأيام وأسابيع وشهور، حتى ظننت أنك لا تمت لها بصلة مجددا. 

     كنت أشتاق كثيرًا إلى الماضي وذويه، إلى التفاصيل والأماكن والأشخاص والمواقف، كنت أتقوقع بحزن شديد لأعوام كلما أصابني الحنين.. وفي أربعة فصول، كنت منها الصيف والشتاء والخريف والربيع، نضجت مشاعري حتى صارت كالثمرة القاسية التي تظن أنها ما إن تقطف وتقطع حتى تنتهي وتفسد، كنت أحسبني قويت وأصبحت أذكى عاطفيا مما مضى ولكتي وجدت لسان حالي يفتقد الإنسانية ولا يحاكي إلا جمادًا مجردا من كل معاني الحياة أو كائنًا حيا نمطيا، لا يعرف التنوع ولا الانفتاح ولا الحرية وآلمني ذلك حقا وآسفني حالي وعلمت اليوم أن ذلك الأسف لم يكن إلا شكلًا من أشكال الإنسانية، وأني بدأت أسترجع الحياة التي كانت تدب في قلبي، ولكنها لن تتعبه بعد الآن ما دام النضج قد أخذ من الوقت ما يكفي.

     لمحت عن بعدٍ ملامح الحزن والوهن على جدتي التي لا أظنها إلا تشكو الحيرة بين أراضي أبنائها وأبنائهم وتشكو صداعًا قويا مستجيبًا لقساوة برد الساحل الشرقي القوي، لا تحتمله عظامها، وصراخ حفيدها الأصغر الذي لم يهدأ إلا بين ذراعيها نائمًا.. من تلك الصورة شهدت ملامح الألم الذي حاولَت إخفائه في سبيل الاستمتاع لحظات السعادة وحتى لا يحزن من حولها من أجلها.. فاشتقت إلى تأمل تجاعيد وجهها عن كثب وإلى ملامحها وصوتها وحضنها ودعاباتها وتذمرها، وبكيت.. أجل لقد اشتقت وبكيت، فعلمت أني ما أزال على قيد الحياة.

 17 كانون الأول 2016

[ هُراء ]

     هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها نصًّا من على فراشي، بين وسائدي وعلى سطور دفتري المخصص لكتاباتي خارج المنزل.

     ما يميز نصي هذا هو الجو المحيط بقلمي.. بل التفاصيل جميعها.. أكتب هنا بين أسرتي، بعد شروق الشمس، على فراشي، بمزاج جميل حقيقة رغم ما يسكنني من شوق، حبر أخضر بعد فنجان القهوة الأول منذ شهر أو ما يقاربه، بعده بساعات حقيقة، وأثناء سماعي لأغنية عربية، أجل، فأنا لم أكتب يومًا أثناء سماعي موسيقى بكلمات عربية، ما يميز النص أيضًا أنه بلا هدف، بلا محتوى، بلا فصاحة، ركيك الأسلوب..

     كتاب كافكا ملقى على وجهه كقط منبطح.. أمي تعلن النوم، أخي يعدني بكعك ويكمل ساعته الثالثة، أجل، أعلم أنه نسي أو أنه غيب عن البعد الرابع كعادته، لذا لا أنتظره ولا أنوي تذكيره.

     دائما ما أشعر بالرغبة في التوقف عن الكتابة ودائمًا ما أشرع بذلك فورًا.. أضع خاتمة، وآخذ شهيقًا.. هذه المرة سأجرب الاستمرار بالكتابة.. وإن كان الكلام فارغًا جدا ولكن، من يعلم منا ما قد أصل إليه؟

     أتعلم ما أكثر ما يحتاجه شخص يتحدث لغة اجنبية واحدة على الأقل؟ المرونة.. ربما في المواقف الحرجة أستطيع جدا تجنب الخلط بين لغتين أو ثلاث لكني أكره عدم تداركها أثناء ممارسة الكتابة. تماما كالآن، أكتب بالعربية بينما يترجم ذهني بعض الكلمات إلى الفرنسية وبعض الجمل إلى الإنجليزية. الأسوأ من ذلك أن أنصت إلى أفكار ثانوية أثناء استرسالي العقيم هذا..

ماذا؟ لمَ تسكت الأفكار عند توقفي عن الخط؟

     لقد مررت في شهري هذا بظرف صعب، أتعلم أن أصعب الظروف هي تلك التي تمر بحالة سيكولوجية وفسيولوجية خلالها بدلا من أحدهم.. وكأنك تشاركه ظرفه ولكنك في الحقيقة لا تراه.. لا تسمعه.. لا تدري ما الذي يدور حوله.. لكنك تتضامن معه أو أكثر منه.. أعني أنك تظن نفسك شاعرًا به والحقيقة أنك تتصرف بمبالغة شديدة بينما يمارس حياته بشكل طبيعي، وبالرغم من ذلك ما زلت تصر على كونها مشاركة.. هراء..

أتساءل ما الذي يطفئ فيني الحماسة إلى هذا الحد؟ هل تحدثها أحيانا قفزات الوعي؟

     ساقاي المكسوتان بالندبات لم أعد أخفيهما عن الآخرين.. شعري الأجعد الفوضوي أصبحت أسرحه عشر مرات في اليوم، أنام نصف يوم وأبقى يقظة ليوم ونصف، أتناول مشروباتي في أكواب مشطوبة رغم تجنبي الدائم لذلك..

     وأخسر خمسة آلاف غرامٍ في غضون أسبوعين دون أدنى جهد يذكر، بعد محاولات دامت لثلاثة أعوام.. أما زلت أكتب؟ يا للعجب!

     اليوم إن سألتني عن لوني المفضل فلن أعرف لسؤالك إجابة.. حتى أن الحياد ليس جوابي هذا المرة.. اسألني عن أفضل كتاب قرأتُه وسأختار الكثير.. اسألني إلى أين أود السفر.. سأتردد.. اسألني عن هواياتي وسأفكر طويلا بصمت عما إذا كانت لي هوايات.

     ليس تبلدا أو لامبالاة.. أبدو هادئة فقط.. رغم الثورات المتقلبة بداخلي.. لا أعني الجوع الذي يكاد يقتلني في هذه اللحظة ولكن أعني عواطفي.. انفعالاتي المكبوتة.. انفعالاتي المتطرفة بين حب شديد وحزن شديد وامتنان شديد ولا شيء أبدًا..

لا شيء.

تبدو أفضل طريقة للسكوت قليلًا..

لا شيء.. لا شيء.. كلمتان أبلغ من أي تعبير.. كل شيء، كلمتان أكثر من فارغة.

جدة  – 18 أبريل 2018

[ اتزن ]

     العقل هو ذاك الخط المستقيم على شاشة جهاز تخطيط القلب والمشاعر هي تلك الموجات بقممها وقيعانها، في استقامة الخط موت محتم وفي خلوه التام من الاستقامة خلل خطير.

     لا يمكن العيش دون أن يصاحب عقلك تفاعلات عاطفية، وعاطفتك الدائمة المهمِّشة للحكمة ستجعل من حياتك فَوضى تستحيل السيطرة عليها.

     أن تعيش كإنسان، أي أن تعيش على فطرةٍ ميزتك بالفكر عن باقي المخلوقات وبالإحساس عن باقي المواد.

اتّزن !

     عليك أن تدرك التناقضات في الحياة، أن تلحظ الأضداد، لتتقبلها، وتتقلب معها متى ما شئت، وتشعر بها، وتتقمصها، وتقاوم تحولاتها عند الحاجة، ثم عليك أن تفهم الحد الفاصل بين كل شقين، وتحاول أن تجمع بين الوجهين، لتدرك أخيرًا أن التناقضات ولدت من جذرٍ واحد، يجعلها في نقطة ما عنصرًا واحدًا.

     عليك أن تدرك أن التناقض وُجد قبل الإنسان لكن الإنسان سلط الضوء عليه لنفسه وصنّفه في فئات، وأن تدرك أن الإنسان معرض للخطأ بقدر مقدرته على إدراك الصواب.

     عليك أن تعود إلى التناقضات في شخصك، الأضداد العامة والمتقابلات الخاصة، وتتساءل عما إذا كانت قد وجدت من قبل أن تلحظها أنت أم أنك الذي أوجدتها في داخلك.

     عندما تنتبه للتناقض بداخلك ستعلم يقينًا أنك الجذر الذي نبع منه كل ضدين فيك، عندها ستنتبه إلى مدى ترابط مشاعرك بأفكارك وأن لا شعور بلا فكرة، وأن الشعور محفزك للفكرة، وأن نصفك المظلم خلق من نصفك المضيء وأن نورك ينبعث من عتمتك، وأنك لن تكون إلا بكلا الأمرين معًا: العقل والعاطفة.

فلتتزن!

[ لا شأن لك ]

     نحن اليوم في خضم حروب جديدة ليست سوى امتداد لما سبق. حروب سياسية، أهلية، فكرية، إعلامية. حروب لا تأخذ حتى أنفاسها لتعود، بل تستمر في الانتشار دون انقطاع بشتى الطرق وفي كل مكان، حتى إذا ما خسرت مكانًا كانت قد ضمنت الضعف قبل خسارته.

     يؤسفنا أن تصدر بعض الأفعال التافهة من بعض الأفراد – بقصد أو بغير قصد – التي بدورها تعزز هذه الحروب، وتطور المشاحنات بين الشعوب أو الجماعات.

     أكبر لبس يحدث لبعض أولئك الأفراد هو عندما يظنون أنهم بشهرتهم أو بكونهم معروفين لدى الجماعات الأخرى، وربما محبوبين منها، صار لهم الحق في التدخل في شؤونهم، فتتدخل الشعوب في شؤون بعضها بعضًا.

     شهدنا مثلًا في الآونة الأخيرة تطفل بعض الدول المجاورة على قرارات دولتنا السعودية باسم الغيرة على الأرض، باسم الحب للشعب، باسم الدين والحرمين الشريفين. يطالبون بالوسطية الفكرية ويحاربونها وقتما حلّت، ينعتون أرضك بالرجعية والتخلف، وتصعقهم مواكبتها لتطورهم أو حتى تقدمها عليهم، يعيشون الترفيه في بلادهم، ويستنكرونه عليك، أو يعيشون معنا وبيننا، ويسكنون في بقاعنا، ويؤاخوننا ونؤاخيهم، ولا نكف عن سماع «في بلدي مسموح بما منعتموه»، أو «رغم هذا التقدم لمَ لا نرى الشيء الفلاني؟»، وفور ما يجدون بلدك في تقدم مفاجئ عظيم استنكروه: «كنتم في حال أفضل!».

     لن أتحدث هنا عن القوانين الجديدة، فللقوانين مسؤولون هم من يطبقونها أو ينفونها، إنما أنا بصدد الحديث عن رد فعل المجتمعات من القرارات المتخذة في بلد لا يمت لهم إلا بصلة الكرم أو الجيرة أو العروبة أو الدين، وإن كانت روابط قوية، إلا أنها لا تؤثر في حياتهم الخاصة ما لم يقحموا أنفسهم فيها.

     بأي حق مثلًا يتدخل فرد ما من دولة أخرى في خصوصيات شعب، سواء في لبسه أو خلافه، وفي أمور ليست من شأن شخص خارج هذا الشعب.

     هذه الفئة هي نفسها التي حاربت قيادة المرأة السعودية «لمصلحتها»، ولأنها تغبطها على الدلال، وبمجرد أن رفع حظر قيادة النساء للسيارة في السعودية انهالت عليهن بالتبريكات والتهاني دعمًا لحقوق المرأة السعودية.

     لمَ أصبح أي ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي يرى أن له الحق في الانتقاد، بالتدخل في شؤؤن الآخرين؟ إني لا أختار لأخي الصغير أي فاكهة يأكل، ولا أختار لأبي أي قناة يشاهد، ولا أنصح أمي بأي صورة ترسم، على الأقل ليس إن لم أُسأل، فلا أحد مسؤولًا عن أحد فيما يخص حياته واختياراته الشخصية.

     على الصعيد الآخر، نجد ما هو أبشع من هذا التطفل، نجد ذا الحجة الضعيفة، من يخشى التغيير نفسه لا عواقبه، من يصيبه الذعر إن خرج عن عاداته أو الروتين، أو شهد ما يخرج عن المألوف، يدافع عن رأيه بجيش من خارج بلده، يؤيد الجماعات المتطفلة على تطفلها، ويصدق التبرير بالمحبة، يقف الفرد ضد فرد آخر من جماعته مع من لا شأن له فيما تنازعا فيه، فقط ليشعر بقوة موقفه.

     لقد حان الوقت لرفض التطفل، كان الوقت لانشغال كلٌّ بشأنه، حان الوقت لترك الأنفس تتنفس، والأرواح تتراقص. قال قائل من قبل: «لو لم يتدخل أحد في شؤون الآخرين لعمّ السلام بين الجميع». كُن أنتَ السلام، أو كما قال غاندي: «كُن أنت التغيير».

26 أكتوبر 2019

رابط المقال في جريدة الرياض هنا

[ تائه ]

هاقد بدأت الطريق من جديد وحيدًا، تشعر بالخوف، لا تستطيع رؤية البعيد.

الطريق فارغ أمامك ولكن تحده من الجانبين كل الأشياء، كل الأشخاص، كل الأفكار والمشاعر والأقدار والاحتمالات، وكلها خام.

تشعر بأنك غريب، ولكن كل ما حولك يرحب بك وكأنه قديم عهد بك.

تتساءل عما قد تذهب إليه ويجيء إليك، عما قد يرافقك ويخالفك الاتجاه.

تتساءل عما إذا كان لابد لك من أن تبدأ من جديد ولا تتوقف فيما مضى.

تتساءل عن السر الحقيقي وراء بقائك، وراء خوضك الحرب مرة أخرى، وحدك، عما إذا كان هناك ما يحتاج إليك، عما إذا كان هناك ما يجب عليك تقديمه.

تتساءل…

وتتساءل، لماذا أنا هنا، ولماذا الآن، وما المغزى من كل هذا؟

ويحسب من هو في منتصف الطريق أنك بلا هدف، بلا تقدير لنفسك، ويرى حياتك بلا قيمة حقيقية..

ولكن الحقيقة هي أنك تائه، كطفل تعلم السير بمفرده ووجد نفسه وسط ضوضاء مفجعة ولا يفهمها.

[ كتاب| ما الإنسان ]

العنوان: ما الإنسان
المؤلف: مارك توين
المترجم: كنان القرحالي
الطبعة: الثالثة – 2018
الدار: دار كلمات للنشر والتوزيع
تقييمي: 4.5/5.0

“من المهد إلى اللحد، لا يقوم الإنسان بأي عمل إلا ويكون دافعه الأولي والوحيد هو أن يضمن راحة باله وطمأنينة نفسه.”

الإنسان مشكلة الإنسان الأولى، كل فلسفة عميقة تصب في شأنه.

مقدمة: يتناول الكتاب أهم سؤال عن الإنسان “ما الإنسان ؟”، ويناقش المؤلف في حوار بين شاب وشيخ ماهية الإنسان وماهية كل من عقله وضميره وأخلاقياته، وأي الطرفين يحكم الآخر؛ الإنسان أم أجزاؤه، وما إذا كان الإنسان قادرًا على الاختراع وإحداث شيء من العدم. قبل أن أتحدث عن رأيي في المحتوى والكتاب بصفة عامة، أطرح بين يديكم تلخيصي للكتاب.

ملخّص:

     1- إن الإنسان آلة مسيرة وغير قادرة على الابتكار، أما الإنسان المميز عن غيره فهو من استطاع جمع المؤثرات الخارجية أكثر من غيره. ما أفكار الإنسان إلا تجميع لما شهد في حياته فلا يحق له أن يفخر بشيء أنتجه.

     2- لا يُخلَق الإنسان بضمير ميّال إلى الخير أو الشر على حد سواء، بل يُدرَّب بحسب رغبة صاحبه المحدودة فلا سلطان تام للإنسان على ضميره، بل العكس، فكل ما يفعله الإنسان هو لإرضاء هذا الضمير -السلطان- قبل أي سبب آخر. فعل الخير يعود أولًا لعدم رغبة الإنسان بالشعور بتأنيب الضمير، وفعل الشر يعود أولًا لرغبة الإنسان بالتلذذ بنشوة ممارسة هذا الشر، وكل الدوافع الأخرى لفعل شيء ما ليست سوى دوافع ثانوية، أما الدافع الرئيسي هو إرضاء النفس حتى وإن كان بالتضحية بها.

     3- إن الضمير غير ثابت، هو في كل أحواله يقصد فعل الصواب -أي ما يراه حينها صوابًا-، وصواب اليوم قد يكون غدًا خطأ، أي أن صوابه ليس ثابتًا بالضرورة، كما أن الصواب بالنسبة لضمير إنسان ما يختلف عن صواب ضمير الإنسان الآخر. إن المؤثرات الخارجية تؤثر على هذا الضمير فتغير بشكل تدريجي أو غير مباشر صوابه إلى خطأ وخطأه إلى صواب.

     4- إن فعل شيء ما بدافع الالتزام بالواجب هو في المقام الأول بهدف إرضاء النفس التي تدربت على اتخاذ هذا الأمر كواجب عليها، فإن كان الواجب واجبًا على الجميع ولكن لم يعمل به البعض فإن ذلك يعود إلى اختلاف تكوينهم أو تدريبهم الذي صرف نظرهم عن ممارسة هذا الفعل أو الالتزام بالواجب من أجل ممارسة شيء آخر يرونه أولى بالتطبيق ويضمن لهم رضاهم عن ذواتهم بشكل أكبر من الالتزام بالواجب.

     5- على الرغم من وجود صفات شخصية فطرية لا يمكن تغييرها إلا أن الضمير يمكن تدريبه ليصبح التصرف الجديد تصرّفًا تلقائيًّا، لكن السبب الرئيسي حينها يظل هو نفسه “إرضاء الذات”.

     6- لو أن الوعاظ كانوا صادقين في وعظهم بدعوة الناس إلى فعل ما يرضي النفس من سلوك خيّر وفضيل لربما كان الحافز واضحًا ولترك الناس زيف المشاعر والأهداف ولحرصوا على الإكثار من فعل الخير لمحاولة إشباع أنفسهم بالشعور بالرضا.

     7- إن تراكم المؤثرات الخارجية على مر السنين كفيل بأن يجعل آخر مؤثر خارجي نقطة تحول كبيرة في شخصية الفرد، قد تفسده في لحظة على الرغم من تدرّبه لسنين على الفضيلة والخلق السوي.

     8- لا يمكن للإنسان التحكم بما يفكر فيه عقله ولا متى يتوقف عن ذلك. إن مواضيع التفكير وحده العقل من يحددها ويختارها وما الإنسان إلا آلة خاضعة لسلطة هذا العقل واختياراته.

     9- إن العقل آلة مستقلة عن الإنسان. العقل آلة تعمل في يقظة الإنسان ومنامه ويتشعب في التفكير كيفما شاء، ولا يمكن للإنسان حصر عقله في فكرة لا تستهويه.

     10- إن الإنسان لا يختلف عن الفأر في مسألة العقل والإنتاج، فكلاهما مكتشفان ولا مخترع بينهما. لا يمكن للإنسان أن يخترع فالاختراع قدرة تخص الخالق فقط، أما الإنسان -كالفأر- يجمع الأشياء فقط والاستنتاجات من واقعة ويربطها ببعضها، لينتج منها اكتشافًا أو نتاجًا آخرًا كالأعمال الأدبية.

     11- لا تختلف آلة العقل في الإنسان عنها في الحيوان إلا بالمستوى. مصطلح “الغريزة” يحط من حقيقة قدرة الحيوانات على التفكير، فللحيوان عقل كما للإنسان، ولو كان ما يفعله الحيوان بفعل غريزة لما استطاع تعلم حيلًا جديدة غير مكتسبة من بني جنسه ولم يخلق مبرمجًا عليها بمجرد تغير الظروف. أما في الأخلاق فإن الحيوان يتفوق على الإنسان بمجرد حقيقة أن الإنسان قادر على ارتكاب الشر.

     12- ليس هناك ما يسمى بالإرادة الحرة للإنسان بل هو الاختيار الحر. ما يعتقد الناس أنه إرادة ليس إلا اختيار بفعل قوة إلزامية. إن الاختيار الحر عند الإنسان مبني على مزاجه -الذي فطر عليه- وضميره -الخاضع للتدريب-، والفطرة وحدها قد تعيق الإنسان عن الاختيار. أما العقل فلا علاقة له باختياره إن كان بين خير وشر، بل إن الأمر عائد إلى أخلاقياته التي تعد آلة مستقلة تمامًا عن آلة العقل.

     13- إن كل ما يرغب به الإنسان يكون لهدف الوصول إلى الأثر من وراء الحصول على رغبته، وإلا فلا قيمة لذاك الشيء المرغوب. أي أن كل شيء مادي هو رمز لشعورٍ ما، كل شيء مادي هو وسيلة والغاية الحقيقية من ورائها هي إرضاء الذات. فلا قيمة للمادة ما لم تكن روحية مؤثرة على النفس.

     14- إن الضمير “أنا” يعبر عن الإنسان، ولكنه في كل استخدام يعبر عن جزء واحد من هذا الإنسان. أنا المادية والروحية، أي الجسدية والعقلية والمشاعرية. ليس هناك تعبير شمولي لكلمة “أنا”. فالإنسان (الآلة) هو مجموعة مركبة من الآليات المختلفة، ولا يمكن التعبير عنها جميعًا دائمًا في كلمة واحدة “أنا”.

     15- إن الضمير لا يميز بين الخير والشر، فهدفه الوحيد من سلطانه عن الإنسان هو الحصول على الرضا من وراء أي فعل، ومهما تدرب على ما يهتويه صاحبه إلا أن الأولوية تظل إرضاؤه.

     16- إن المزاج يخلق مع صاحبه وغالبًا ما لا يكون مكتسبًا. ومهما تلقى الإنسان من مؤثرات خارجية لن تكون كفيلة بتغيير مزاجه لأنه ثابت رغم كل محاولات الواقع وتجاربه.

تعليق: على الرغم من مخالفتي لكثير من أفكار الكتاب إلا أن إثارته للتفكير في جوانب عدة من الإنسان أمتعني، كما أحببت كيف أن الكاتب أوصل الفكرة بطرحها في حوار طويل بين شخصيتين.  ما أثار تعجبي -بعيدًا عن الأفكار- أن الكتاب خلا من وجود مقدمة للمؤلف أو المترجم على الأقل لإيضاح المغزى من الحوار أو لشرح الإشكالية أو لشرح موقف المؤلف أو لذكر نبذة عنه، فلو كان الكتاب أدبيًّا -رواية أو ديوان شعر- لما وجدت المقدمة مهمة إلى هذا الحد ولكنه كتابًا فلسفيًّا صُوِّرَ بطريقة أدبية. أعتقد أنه كتاب قد أكرر قراءته لأكثر من مرة فقدرته على إعمال العقل كانت عظيمة.

[ نسخة عنا ]

18c3be0c941501f01976755098b3e89b--art-tutorial-sketch-tutorial

ما زال الإنسان يحاول اختراع شيء يشبهه.
بين العاشرتين –

     في مقال سابق بعنوان “تساؤلات”، تحدثت عن محدودية فكر الإنسان، أنه ممنهج على شيء مهما حاول تخطيه تمامًا فسيفشل، وأخذت على سبيل المثال نظرية دارون كمثال على ذلك؛ عندما أراد داروين أن يعرف منشأ الإنسان بحث عن شبيه له ووجد القرد أقربهم، وكلما اكتشف علماء الآثار قرودًا أو حيوانات قديمة من نفس الفصيلة جعلوها دليلًا على صحة هذه النظرية، لا يستطيعون تخيل الإنسان مخلوقًا من العدم، لابد من وجود ما يشبهه وقد انحدر منه، كذلك عندما يتخيلون الإنسان فيما بعد، يتخيلونه في أقصى تطوره إنسانًا أيضًا، لكنه مزود في جسمه باختراعات الكترونية كهربائية رقمية مطورة، كشريحة ذاكرة أو غيرها، وعندما فكروا بصنع روبوت كان الشكل الرئيسي يشبه الإنسان، حتى وإن كان الرجل الآلي مختلف عن الإنسان في تفاصيل مظهره إلا أنه يشبهه من حيث عدد الأطراف وغيرها  من النقاط الأساسية، واليوم طور العلم هذه الآلة حتى صرنا نكاد ألا نميز بينها وبين الإنسان العادي في المظهر، وهم في طور جعل هذا الاختراع أقرب ما يكون إلى الإنسان حتى في قدراته لينوب عن المورد البشري.

     وإن نظرنا إلى عدة خدمات ذكية تخدم البشرية لوجدنا الخرائط تدلك على المكان بصوت إنسان، والهاتف تأمره بمهام وتسأله عن أمور ويجيبك وكأنه إنسان، والسيارات اليوم كذلك تستطيع التحاور معها، وإن كان هذا النوع من الحوار محدود، إلا أن الإنسان فعليا لا يمكنه الخروج هنا عن طبيعته. 

     ليس على صعيد العلم الحيوي والتقني فحسب بل حتى على صعيد الفلسفة، والدين وعلم الفضاء. تجد الإنسان يفكر ضمن حدود الإنسان؛ على سبيل المثال، آلهة الإغريق صوروها بأجساد بشر وإن كان لبعضها أجنحة، صورة الملائكة كذلك بشرية في أذهان الكثير، والبعض من النصارى يتقبلون فكرة أن الإله قد يكون له شكل إنسان،  أو أن ابن الإله يرث شكله ومعظم صفاته من الجينات البشرية من أمه (العذراء)، كذلك في فلسفة الكائنات الفضائية غالبًا ما تكون صورتها -أو صورة سكان الكواكب الأخرى- كصورة الإنسان.

     حسنًا قد تنكر ذلك، ولكن كم عين للكائن الذي تخيلت الآن على أنه كائن فضائي ؟ إن لم تكن عينان فهل على الأقل احتوت العين على جفن واحد ؟ ألا ترمش العين ؟ هل للكائن مشاعر ؟ هل ينوي ويعتقد ؟ إن كان يبكي فهل تدمع عينه ؟ إن كان يضحك فهل يصدر صوتًا أو يفتح فهمه إن كان له فمٌ ؟ كم عدد أطرافه العلوية والسفلية ؟ هل يمسك الأشياء بالعلوية أم السفلية ؟ أين يقع رأسه ؟ أين موقع فمه، لو كان يسمع بعضو يقابله في الإنسان (الأذن) فكم أذنًا تخيلت ؟

     هذا ما عنيته، لم تستطع أن تخرج تمامًا من شكلك، لا تستطيع توقع وجود كائن عاقل وقادر لا يشبهك على الأقل في مظهره، لذا فحتى الخالق غالبًا ما يصعب على الكثير تخيل أنه لم يُخلق وأنه لن يبيد أبدًا. 

     ما زلت أصر على فكرتي تلك، إن الإنسان لا يكف عن محاولة خلق/ اختراع/ اكتشاف شيء يشبهه، بقصد ودون قصد، فمهما تشعبنا نبقى ضمن إيطار أشباهنا.