[ كيفَ أقرأ قراءة تثقيفية ؟ ]


حب القراءة كنزٌ، غنيّ من امتلكه، هذا ما أردده دائما عن القراءة، ولكن لا تكون القراءة ثمينة إن لم تكسبك المداومة عليها علمًا أو فصاحةً، فالقراءة الثمينة هي التي تثريكَ لغةً وعلمًا قد لا تحتاجه في تخصصك أو مجال عملك .

لو كنتَ طبيبًا على سبيل المثال، فإن معظم الكتب التي تحتاج إلى قراءتها هي كتب الطب والصحة وكل ما يدور حولها، وهذا يزيد من خبرتك في الطب، ولكن ما قد لا تحتاجه في عملك ولكنه يفيدك بشكل أو بآخر في لغتك الأم وفي حياتك وفي فكرك الاجتماعي والسياسي هو أن تقرأ كتبًا أدبية أو تأريخية أو غيرها، وهذا ما ينطبق على جميع القرّاء من جميع التخصصات . 

لا يمكن حصر كلمة قارئ على العلماء الذين يتخصصون في قراءة كتب معيّنة “ كالأدب مثلًا “، وننفيها عن المطّلعين الذين يتنوعون في قراءتهم بين أدبٍ وتاريخ وعلومٍ وغيرها، أو حتّى العكس، فالقراءة هي فعل يستزيد منه الشخص بما يثري مخزونه اللغوي والعلمي أو الخيالي، كلّ بحسب ما يحب، ناهيكَ عن كون أعظم القرّاء هم من يأخذون من كل بحرٍ قطرة -أو أكثر- ويتعمّقون في مجال أو أكثر، وأؤلئك أحبّ شخصيًّا أن أصفهم بالمثقفين -لا سيّما إن توازنت لديهم الأخلاق مع العلم .

كي يكون حبّك للقراءة كنزًا، عليكَ أن تثبت لنفسك قبل الجميع بوجود مخرجات مفيدة حصلتَ عليها من كلّ مجلّد قرأته، حتّى وإن كان الكتاب قصصيًّا وغير واقعي، فأكبر هدية قد تحصل عليها حينها من الكاتب هي الإلهام، والمصطلحات الجديدة . 

فأن تقرأ كتابًا يعني أن تصبّ عقلك بين أوراقٍ ثمينة تحمل لكَ شيئًا ما في كل صفحةٍ منها، قد يكون المُخرج من الكتاب إلهامًا أدبيًّا أو فنّيًّا،  قد يكون معلومة خبريّة تفيدك في حياتك أو مجال عملك أو تزيدك علمًا لما تحب وتهوى، وقد يكون المُخرج من الصفحة كاملةً كلمة جديدة كنت تجهل معناها، أو ربما كنت تفهمها من سياق الكلام كلما سمعتها أو قرأتها ولكنك لم تستخدمها يومًا في حواراتك، أو قد تستخدمها ولكنك لا تعرف استخدامًا آخرًا لها، تمامًا كما نستخدم الأمثال ونحن نجهل قصصها أو مقاصدها الأساسية .

أكثر فئة قرّاء تغفل عن الانتباه لما قد يثري معلوماتهم العامة هم المتخصّصون في مجالٍ معيّن، وأكثر فئة قرّاء ينتبهون جيّدًا للمصطلحات الجديدة والتعبيرات الجديدة هم بالطبع الكتّاب والنقّاد والأدباء بصفة عامة .  

قد تكون قابلتَ شخصًا لم يقرأ كتبًا بقدر ما قرأتَ أنتَ ولكنه يفوقك فصاحةً وعلمًا، وبعض المعلومات التي يفاجئُكَ بها يخبركَ بأنها ذُكرت في كتابٍ قرأتَهُ أنتَ، ولكنك ببساطةٍ تكاد ألا تتذكرها، السر كلّ السرّ هو في طريقتك في تناول الجديد من المعلومات والمصطلحات والأسماء .

القراءة المثالية هي القراءة التي تحتاج فيها إلى أن تدون الكثير الكثير، حتى وإن كنتَ تقرأ نصوصًا نثرية، أو مقالاتٍ ذاتيّة، أو ربما روايةً ما، تأكد أنك في حاجة لأن تنتبه إلى كميّة الأشياء الجديدة التي وجدتها بين دفتي هذا الكتاب .  

***

كيف تستفيد من القراءة ؟

أنواع القراءة مختلفة، هناكَ قراءة عامّة لفهمِ الخلاصة، وقراءة على مراحل لتلخيص النص، وقراءة تثقيفية للاطلاع، وقراءة تطويرية تطور اللغة أو العلم، وقراءة تصويرية لاستخراج فكرة مقصودة، وغيرها من القراءات التي تختلف بحسب الهدف ؛ لذا عليكَ أولًا  أن تحدد الهدف لتعرف ما نوع القراءة التي ستمارسها، وما الذي ينبغي عليكَ التركيز عليه والانتباه له .

سأذكر لك بعض النقاط التي أتبعها في القراءة التثقيفية -والتي أصف حبها بالكنز- لعلها تعمل على إفادتك في قراءتك ؛ وأقصد بالقراءة التثقيفية، هي القراءة التي تزيد من حصيلة القارئ المعلوماتية واللغوية، ليكوّن من خلالها فكرة عامة عن كلّ مصطلح – أو معلومة – ذكر فيها :

-١-

قبل كل شيء، عليكَ أن تبدأ بالمادّة التي توافق مستواكَ، فإن كنتَ قارئًا للأدب فابدأ بما يناسبك لغويًّا لتتدرج بعدها إلى مستويات أعلى. وإن كنتَ طالبًا جامعيًّا تقرأ في مجالك خارج المقررات، ينبغي عليك أن تختار ما يعلو مستواك العلمي بدرجة ؛ حتّى لا تستهلك الوقت في محاولة فهم ما يفوقك مستوًى. وإن كنت قد بدأت للتو في قراءة تطوير الذات، فابدأ -على سبيل المثال- بالكتب المحفزة السلسة والتي تكون بمثابة مقدّمة لعلوم التنمية البشرية وتطوير الذات ؛ حتّى لا تجد بينَ يديكَ كتابًا لا يفهمه إلا من تعمق في هذا المجال، فتكره القراءة منذ البدء ؛ وقس على ذلك أي مجالٍ آخر، فالقراءة بمختلف مجالاتها تشبه تعلّم لغة جديدة ، تحتاج إلى التدرج في الفهم، من الأسهل إلى الأقل سهولة .

-٢-

حين تبدأ بقراءة كتاب، عليكَ أن تحرص على اختيار الوقت المناسب لقراءته، فمثلًا قد تكون ممن تناسبهم قراءة الروايات قبل النوم ، أو قراءة السياسة بعد تصفّح الجرائد . وإن كنت ممن يحب القراءة في جو معيّن فعليكَ أن تخلق ذلك الجو قبل أن تهمّ بالقراءة ؛ فالبعض لا يقرأون إلا في هدوء، والبعض يفضلون القراءة في مقهى مزدحم بالناس، وآخرون لا يقرأون دون احتساء كوبٍ من القهوة، والبعض لا يستطيع البدء في القراءة قبل الانتهاء من الأعمال المنزلية أو المهنية ؛ اعرف طبيعة العلاقة بين الكتب ونفسك “ أو بين القراءة بصفة عامة ونفسك “، فكل جملة تقرأها، سيختلف وقعها عليك باختلاف وقت وحال قراءتك لها . 

-٣-

أثناء قراءتك، ستجد كلمات لم تفهمها، مصطلحات جديدة لم تقرأها من قبل كاالمصطلحات السياسية، وأسماء لا تعرف عنها الكثير أو أنك قد تجهلها تمامًا ( أشخاص، دول، اختراعات، مخلوقات… )، وكلمات لا تجيد استخدامها في كتاباتك أو حواراتك ؛ لأنك لا تعرف لها مرادفات، كل ما عليكَ فعله حينها هو أن تضع إشارة تحت كلٍّ منها، ولا تقلق عند رؤية الصفحة ممتلئة بالإشارات، فمن لم يجهل لن يتعلم، تلك خطوة ستقوّي من ذكائك اللغوي فتكون أكثر قدرة على الفهم السريع وعلى التعبير بوضوح، كما ستزيد من مخزونك العلمي والثقافي لتفهم ما يدور حولك في الحياة بشكل أقل غموضًا . وتذكر ! إن لم تكن قراءتك للنص وأنت جاهل لتلك المعاني قد يؤثر على انسجامك في النص وفهمك لفكرة الكاتب الرئيسية فلا تتوقف عند كل ما تضع عنده إشارة، بل أكمل إلى أن تأخذ حصتك من القراءة اليومية.

-٤-

حين تنتهي من الكتاب أو حين تتوقف بعد جزء منه، ابدأ بتدوين كل كلمة من تلك الكلمات في دفترٍ خاص، ستجد الصفحات تتكاثر؛ وفّر ما دوّنته إلى يومٍ تجد نفسك فيه متفرّغًا ومستعدًّا للبحث عن كل ما دونته .

-٥-

عندما تبدأ البحث عن كلّ ما دوّنته في الدفتر، احرص على تدوين تعريفات مختصرة ومبيّنة لماهية تلك المصطلحات، ولكَ – بالطبع – أن تبحث عن كلّ ما أثار اهتمامكَ – لاحقًا – بين الكتبِ أو المواقع أو الأفلام الوثائقية ؛ إليكَ بعض الأمثلة حول طريقة تعريفي في دفتري الخاص لكلمات مستخرجة من كتاب ( يوميات نص الليل ) لمؤلفه د. مصطفى محمود :

داروِن : ( تشارلز داروين ) عالم تاريخ طبيعي، ومؤلف بريطاني .
جزر الواق واق : يقال أنها تقع في الصين أو الهند.
عويص : شائك، صعب، يصعب فهمه .
يضطرم : ( اضطرم فهو مضطرم ) يهيج، يشتد، يشتعل .
ماكميلان : دار نشر مصرية .
باخرة ملّاكي : مصطلح مصري يدل على أن الباخرة للتمليك أو مملوكة .
عقدة أوديب : هي عقدة ( في علم النفس ) يعشق فيها الابن والدته .
الهمجية : ( عكس التحضّر ) الوحشية .

-٦- 

من الطبيعي بعد أن تجمع الكثير من المعلومات في دفترك أن تنسى جزءًا كبيرًا منها، فلن ترسخ جيّدًا في ذاكرتك ما لم تستخدمها في كتاباتك وتراجعها وتقرأها بين الحين والآخر، وتذكر بأن تذكر في حواراتٍ مناسبة بعضًا مما قرأته، فاستشهادك بما تعلمت يزيده ثباتًا في الذاكرة .

***

تلكَ كانت بعض الخطوات التي أتبعها لأثري معلوماتي بها والتي آمل أن تكونَ مفيدةً لكَ، قد تكون لديكَ طريقة أخرى أنفع من طريقتي، أو ربّما قد تصنع -مستقبلًا- طريقة تفيدكَ بشكلٍ أكبر، كلّ ما عليكَ فعله هو أن تهيء لنفسك عوامل التثقيف إن كانَ هدفكَ من قراءة الكتب كهدفي، وإن كنتَ ممن يملك هذا الكنز “حبّ القراءة“ .


فكرتان اثنتان على ”[ كيفَ أقرأ قراءة تثقيفية ؟ ]

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s