[ بلا إحساس ]

لا تجعل رضا الناس غاية فإنك لن تدركها مهما فعلت، كل إنسان كان قادرًا على الخروج من مآزقه ولو بعد حين اتركه ليعيش تجاربه وحده.

إن الناس معظمهم مصدر ألم، إن حميت قلبك منهم اغتصبوه، وإن رددته عنهم اغتالوه، وإن فتحت لهم أبوابه استقطعوا منه أجزاءه الواحد تلو الآخر ثم ألقوا ببقاياه البالية بين يديك ورحلوا.

هؤلاء قد يطلبون منك ترتيب فوضاهم وإن وقيتهم شر فوضاك لا يلحظون، ما دمتَ لم ترمم ما تهدّم من حيواتهم فأنت بالنسبة إليهم “بلا إحساس”، لا ينتبهون إلى أنهم لم يلقوا نظرة على حياتك ليطمئنوا على حالك.

تمتنع عن إطلاعهم على ركامك فيظنون أنه قد حال إلى العدم، لا يدركون كم الأوجاع القاطنة قلبك، لا يسمعون صرخات عقلك العاجزة عن إحداث فرق، ومهما فعلت فإنك لم تفعله ما لم تقله، ومهما قلت فإنك “قول بلا فعل”.

يتوقع منك البعض أن تقود حياتهم ما دمتَ تهتم لأمرهم، ومهما مددتَ يدك إليهم لا يلحظونها، أو قد يحسبونها تعاليًا منكَ عليهم، قد تقودهم أحيانًا إلى أبوابٍ مشرعة تستقبل كل مستقبل للنجاح، وكل مستعد للمحاولات، وكل من يتحمل الفشل مرارًا في سبيل النجاح أخيرًا، لكنهم إما أن يدركوا عونك ويتجاهلوه قابعين في بؤسهم وإما أن يفسروا أخذك بأيديهم نابعًا من اعتقادك بأنك تعلوهم علمًا أو نجاحًا أو شأنًا، وإن تركتهم ليسترشدوا بقلوبهم اتهموك بالتخلي عنهم.

الأمر يبدو كما لو أن كتفيك مرهقان، يستطيعان النهوض بنفسيهما لكنهما بقيا كما هما، يتألمان ويستنجدان بك، بصوت وبصمت، تدعمهما، تداويهما، تخفف عنهما ما أصابهما لكنهما يستمران باستشعار ضعفهما، ولا يحاولان مجرد المحاولة أن يتحركا، أن يقاوما الفتور، أن يعودا إلى الحياة، مكتفيين بالاستناد على ظهرك، وإن لم تفعل شيئًا لإنقاذهما مما هما فيه فأنت “بلا إحساس”.

وقلبك، قلبك كما لو كان منفصلًا عنك، غارقًا في نفسه، منشغلًا بمشاغله، وكلما نشدت قربه تخلى عنك، تخشى أن تلمه فتكون أيضًا “بلا إحساس”، تخشى أن تعاتبه فتظلمه وتصير في عينيك أنت أيضًا “بلا إحساس”، لذا تتركه للغياب.

إن البعض ما دمت لا تشكو لهم فلن يروك غارقًا، لن يروا الفوضى العارمة التي وجدت نفسك فيها دون انتباه ولم تستطع ترتيبها، لن يروا التحول الذي حدث لك خلف الستار، لن يدركوا مدى ضياعك، ومدى التيه الذي أصابك، مدى النقص العميق الذي حاولت أن تزرع فيه أملًا جديدًا وعجزت عن ذلك لكنك لم تمل المحاولة.

هم لا يرون بعمقٍ إلا أنفسهم، أما أنت فيشهدون الظاهر منك، ومهما حاولت تفسير الأمور تبقى المخطئ ويبقون على صواب.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s