[ الهدير ]

-لا يطيقون تحملك.
-صه! استمعي جيدا، انصتي.

-انصتي أنتِ لقد…
-شششه هدوء، قليلًا، هل تسمعين الهدير؟

-هدير ماء، وماذا في الأمر؟
-انصتي جيدًّا واغمضي عينيك، أليس حزينًا؟

-الماء لا يشعر يا بلهاء.
-أليس صوته كالهمس الحزين؟ والحمامة، هديلها يبدو كالأنين، كأنين السجين.

-يا إلهي كفي عن هراءا…
-اقتربي مني، هيا اشتمّي رائحة قميصي.

-ماذا ب…
-اقتربي فحسب !

-ياه !
-أريتِ؟ هذه زفرة حنين، الناس لا يبغضوني، هم يعترضون فقط لأنهم لا ينفكون عن قراءة حزني أكثر وأكثر كلما لمست ذاك الجرح بداخلهم.

-ومن أنتِ، طبيب ؟
-بل مجرد إنسان تصالح مع علته، فحولها إلى سيمفونية.

-الموسيقى حياة.
-فعلًا والحياة محزنة.

-الحياة جميلة.
– أجل فللحزن جاذبية.

-أعني أن الحياة حياة، كيف أشرح ذلك؟! حسنًا، الحياة كطفل خطا خطوته الأولى وهو يضحك، وفرح بخطوته والداه، أجل!
-أتعنين والديه اللذين يكادان “يبكيان” من الفرح؟

-وإن يكن فالسبب مفرح!
-أجل لكن للحزن بصمته هنا.

-وماذا عن الطفل أليس فرحًا؟
-الطفل عندها لن يفهم هذه المشاعر، لا وعي حقيقي عنده بعد، ربما الخوف هو ما يؤثر فيه حقا.

-ما تفسيرك لسعادته عندها؟
-هرمون، حركة فسيولوجية بداخل جسده الصغير، تتسبب بتحرك عضلات وجهه أيضًا فيبدو مبتسما وتصدر من حنجرته صوتًا نسميه ضحكًا والسبب هو الدهشة، ليس الفرح! فهو في مرحلة لا يستطيع فيها إدراك الإنجاز، لا تحركه الرغبة بالإنجاز، بل المغامرة، كل طفل صغير يخطو خطوته الأولى يستمتع بشعورين، هما الخوف والدهشة، يخاف فيغامر ويخطو خطوة ويندهش ويختلط خوفه بدهشته فيتحمس للثانية ويضحك خوفًا ودهشةً…

-آه أف دعينا من خزعبلاتك!
-هل تفكرتِ بمعنى هذه الكلمة أيضًا؟

-صهٍ اسمعيني حبيبتي، كنت أحكي لكِ عن الحياة لا عن الطفل.
-ما بها ؟ حزينة وجميلة وماذا بعد؟

-لا، الحياة مخزن سعادة.
-أجل لذلك بكينا حين وُلدنا، بكينا فرحًا.

-أتحدث معك بجدية، الحزن مرض.
-أنا أحزن إذن أنا إنسان.

-إنسان محطم.
-لستُ محطمة، أنا فقط أستشعر أعماقي.

-آه كم هي خاوية!
-وبعد أن تنام أحزاني…

-جميل تنام، أها؟
-أستطيع عندها الشعور بالسعادة عندما تزورني.

-بربك!
-ماذا؟

– الحزن عشيرك والفرح مجرد زائر؟
– أجل، شيء طبيعي.

-آه كم أنتِ مريضة!
-عندما نجوع ولا نجد ما نحب من طعام نشعر بشعور بسيط جدا بالحاجة والحاجة مرتبطة بالحزن.

-واو!
-وعندما نشعر بالبرد نتمنى حضنًا دافئًا فنحزن.

-رومانسية.
-وعندما.. فعلًا رومانسية! الرومانسية مدرسة أدبية تعتمد على الحزن.

-يا إلهي عرفت الآن لمَ لا يطيقون تحملك.
-هم؟ هم يقرؤون، والقليل منهم يتطفلون، والبعض منهم يطبطبون على حقيقة مشاعرهم بالعبارات الإيجابية والشعارات البهلوانية، لكنهم يستمرون بالقراءة.

-مشفقين عليك.
-ممم لا أظن ذلك، بل…

-كم يحزنني حالك!
-أرأيتِ؟ حزن! حتى النقاش جعلكِ تحز…

-أعني يؤسفني، أجل يؤسفني عفوًا.
-الأسف من أخوان الحزن!

– آه أعني أشفق عليك، حسنًا؟
-الشفقة م…

– من أحفاد الحزن، حسنا كفى، كفّي أرجوكِ، يا إلهي انظري إلى تعابير وجهك المستفزة.
– ههه إنني مبتسمة، أحكي عن الحزن بابتسامة، أما أنتِ -يا رب يوسف الجميل- ما أقبحها وهي عابسة!

-لأنك أثرتِ غضبي.
-العبوس…

-حزن، حزن.. يا إلهي أتتحدثين معهم هكذا دائمًا؟
-لا، ليسوا بحاجة إلى كل هذا، هم يدركون حزنهم، يعترفون به، أما أنتِ فعلى الرغم من تكدس المآسي وتراكم الصرخات بداخلك إلا أنتِ مصرة على مجادلتي.

-دعيني وشأني.

-تصبحين على وجهي، الحزين، الضاحك ههه.

-اغربي عن وجهي!

رأيان حول “[ الهدير ]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: