[ النقد حقٌّ للجميع ]

67375783_1137706283087026_9060339347496108032_n.jpg


      “النقد من حق الجميع ما دمت تشاركهم أعمالك.”

 – يقولون

       إن ملكية المجتمع للفنان مهما كان نوع فنهكتابة ورسم وغيرهمالمجرد أنه شاركهم إنتاجه أو أعماله هي كذبة أشيعت وصدقها الكثيرون، خرافة انتهجها الكثر من الفنانين ومتذوقي الفنون، ابتكرها وأيدها أنانيون يرون أن لهم الحق في أن يكونوا جزءًا من عملك بأي طريقة كانت؛ هل تساءلتم يومًا لمَ نطلب النقد ولا نتقبل بعض الآراء ؟ الجواب ببساطة هو لأن النقد يختلف عن الرأي الشخصي.

  • ما الفرق بين النقد والرأي الشخصي؟

       يعيش كلاهما تحت سقف واحد، لكن الرأي الشخصي مبني على قناعات وممارسات شخصية وذوق خاص، لذلك فأنت تحكم على جودة الشيء بلا حيادية، بينما النقد هو تبيين العيوب وغالبا ما تكون عيوب الشيءوليس دائمًامتفقًا عليها، خاصة إذا كان شيئًا تقليديًّا، بمعنى أن نقد اللوحة غالبا ما يكون مبنيًّا على أسس وقواعد وقوانين، فالواحد ينتقد تناسق الألوان في لوحة فنانة تصنف نفسها في مدرسة تشكيلية معيّنة كالوحشية أو الواقعية أو التأثيريةعلى سبيل المثال– نقدًا بالرجوع إلى أسس هذه المدرسة الفنية.. وكذلك الأديب بحسب مدرسته التراجيدية أو الرومانسية أو الوجوديةمثلًا-.

       إذا كان الشخص الممارس لفنه الكتابي أو التشكيلي أو الموسيقيإلخفي تيار معين معروف أمام العامة أو مدرسة معينة فإن الأساس الذي بنى عليه عمله أو إنتاجه له مقاييس معينة ومعايير أي أن عيوبه واضحة ومحاسنه أي أن النقد بين النقادغالبًا وليس دائمًايكون متفقًا عليه، وإن اختلف أحدهم عن الآخر فلأنه استند على رأي معلم أعظم أو أشهر أو أخبر منه، وغالبًا ما يكون هذا المعلم من رواد الفن المنتقَد نفسه أو من مؤسسيه أيًّا كانت تلك المدرسة وأيًّآ كان ذلك الفن.

  • ما حدود الرأي الشخصي بعيدًا عن السيكولوجيا والأخلاقيات والشريعة ؟

       إنها الحدود الفكرية الموضوعيةفي نفس الموضوع، إن حدودك كشخص هي نظرتك الشخصية فقط، يحق لك أن تعطي رأيك بسطحية أو تعمق وأن تقرأ قراءة سيكولوجية مبنية على مشاعرك وتوقعاتك واعتقاداتك، وتتخيل ما شئت من الكواليس والأهداف ومعانٍ خاصة، فإن كنت تقرأ لوحةعلى سبيل المثالوتريد طرح رأيك ستقول بأن الألوان كئيبة أو أن الفنان أكثر من عدد الأشجار ولو استبدلها بنخلتين لكانت أجمل ومريحة للعين، كل هذه الملاحظات ومثيلاتها تمثل رأيك الشخصي، أي أنها ليست نقدًا.. كالأشخاص الذين يحبون أن يضعون سريرهم في طرف الغرفة، وألا يكون في غرفة النوم أكثر من نافذة واحدة، ويفضلون أن تكون خزانة الملابس في غرفة النوم كذلك، حتى وإن كانت هناك متسع في المنزل لفصل غرفة التديل عن غرفة النوم، ليست تلك التفضيلات إلا ذوقًا خاصًّا، تختلف من شخص لآخر بحسب شخصيته ونظرته الشخصية، وقس على ذلك فنون أخرى.

     لكن النقد مبني على علم

     لنأخذ التصميم الداخلي كمثالعلمًا بأني أفتقر تمامًا للخبرة فيه لذا سأفترض، لنفترض مثلًا أن ناقد تصميم داخلي وجد غرفةً بأسلوب الستينات لكن ركنًا فيها ظهر غير مناسب لها لاحتوائه على مجسم روبوت من العصر الحديث أو على لوحة كرتونية أو تمثالًا يحاكي العصر الحجري، ملاحظاته هنا ستكون بمثابة نقد، فيقول مثلًا: ” إن الغرفة كلاسيكية لكن الركن الفلاني لا يمت لأسلوب التصميم العام للغرفة بصلة، أو مثلًا يدلي بملاحظات حول محتويات الغرفة وتنظيمها بناءً على علم الطاقة أوفينغ شوي، أو ينبذ، بناءً على معلومة طبية، امتلاء غرفة النوم بالنباتات لكيلا تضر بالجهاز التنفسي، كل هذه تعتبر نماذج من النقد المحتمل لغرفة ما، بينما من يقول لكعلى سبيل المثالكم أحببت ألوان الغرفة، أو لا أرى أن هذه القطعة جميلة، أو لو كانت غرفتي لما وضعت فيها هذا الكم من اللوحات، فهذه كلها آراء شخصية

     فحدود النقد هي المدرسة ذاتها، فإن خرج الفنان عن هذه المدرسة ولم ينصف نفسه في أي من المذاهب الفنية أو دمج بين اثنين منها فأكثر فإن حقه في إخراج فنه كيفما شاء مكفول له، دون نقده، لأنه أنشأ مدرسته الخاصة أو أسلوبه الخاص، ولا حدود للفن.

     يواجه الشعراء مثلًا مشكلة في هذه النقطة، حيث يواجهون حملة هجومية من الكثير من أقرانهم لخروجهم عن بحور الشعر المعروفة، حتى وإن كانت أبياتهم موزونة، والقافية ممتازة.. فمثلًا يحتمون على الشاعر أن يكتب القصيدة بقافتين قافية للشطر الأول وقافية للشطر الثاني على مد القصيدة، أو إن كان سيقفّي البيت فقطأي الأشطر الثانيةفإنه لابد من أن يتشمل القافية نفسها الشطر الأول من البيت الأول، ومخالفة ذلك يعدها البعض خطأً وعدم احتراف من الشاعر.. هنا أتعجب منالتحجر الفنيإن ناسب الوصف الحالة، فمن وضع هذه القواعد ومنع وضع غيرها ؟ الشعر فن، والفن حر في تقنياته وأساليبه، والكتابة الفنية ينبغي أن تكون سليمة ما دامت مفهومة وجميلة وسليمة النحو والإملاء وفصيحةحيث الكلمات الشائعة بين العامة في زمن الكاتب نفسهوأن تخضع للقواعد الحقيقية للفنون الكتابية المعينةالتقارير المقالات الشعر الخاطرة الرسالة الروايةإن كان الكاتب قد أسماها بتلك المسميات، أما إن لم يصنفها فلمَ تخضع لقواعد جمالية معينة لا تمثل أصل اللغة بل شأنها شأن أي فن ابتكره وبدأه فنان ما أو كاتب فني ما.

     أذكر في مادة التحرير الكتابي في الجامعة جدولًا يبين الفرق بين المقال والخاطرة، وأحد الفروقات كان عدد كلمات كل منهما، حيث بين أن المقال يتكون من ١٠٠٠ كلمة على أقل تقدير بينما الخاطرة لا تتجاوز ٥٠٠ كلمة، وما دون ذلك فهو دخيل على الإنشاء وغير مقبول.. هل يمكن للفن أن يقبل ذلك ؟ ألا يحق للكاتب على الأقل أن يبتكر مسمى جديد لنص يحتوي على ٧٠٠ كلمة مثلًا ؟ 

     إن الأعمال الفنية إن انتمت إلى مدارس معينة ينبغي عليها أن تلتزم بحدود هذه المدارسأو المذاهبويحق للناقد حينها إن علم أن التغيير الحاصل من الفنان لم يكن عن ذكاء بل عن جهل أن ينتقده بحدود المذهب، وإلا فوُجب عليه أن يحترم إبداعه كما احترم اليوم تكعيبية بيكاسو، وإن كان الفن جديدًا أو دامجًا لعدة مدارس أو مجدد لمذهب ما باعتراف من الممارس الفني دون أن يدعي اتباعه التام والتقليدي للمذهب، فلا يحق لأحدبرأييأن ينتقده أو يطلبون منه تحديد تيار سابق وموجود، لأنه فن !

     إن لم نقبل الجديد في الفن فلن يدوم.

     لكل حضارة تاريخ، الأمس مؤرخ ومؤرشف، وما سمّي تاريخًا إلا لأن الجديد لحقه، واختلافه عن عصرنا هذا يدل علىالتجديد، وما من نهضة دون تجديد، فاتباع القديم مجرد تقليدية، وما دمنا نسير مع الزمن فلا مانع من التجديد، بل لابد منه، لأن أفكار الإنسان يجددها الزمان، وفهمه لما حوله يتجدد، وضعه للأولويات واستثناؤه للمبادئ ومخالفته إياها وخروجه عن القوانين، كلها مسببات للتجديد ودلالات عليه، فكيف لا يتجدد ما يشكّل الحضارة وما يعرف باللغة العالمية الموحدة لهذه الحضارات والتي تربط العالم كله ببعضه ؟ كيف لا يتجدد الفن ؟ وأعني بذلك الفن بأنواعه من رسم وتصميم داخلي وعمراني وطبخ وأدب ومسرح وموسيقى ونحت

     إن حصرنا كل هذا في مدارس قديمة فإننا حبيسو حضارات صنعها الأجداد، ولم نستطع تجاوز تاريخ لم يعد يمثلنا اليوم. إن هذا الحصر والاكتفاء بما وضعه من سبقنا دليل على أن الأجيال المعاصرة لا ترى في نفسها المؤهلات للابتكار ولإنشاء تيارات فنية جديدة. إن الحضارة اليوم تمر بأزمة نوم، سبات حضاري، فالجيل الذي يعتقد بافتقاده للإمكانيات في ابتداع مذاهب جديدة أو تجديد مدارس قديمة هو جيل يرى الماضي كله مقدسًا والخروج عن حدوده اليوم هو تشويهًا له.

     إن هناك هوة كبيرة بين الفن المعاصر والفنون التقليدية، الكثير من النقاد يحترمون الفن المعاصر حتى وإن لم يعجبهم، معترفين به، لأن الإعلام فرضه عليهم، كاعترافهم بالفنون الكلاسيكية القديمة، التي فرضها عليهم التاريخ، واليوم نستطيع أن نرى بوضوع ما بينهما فراغ كبير

     إن نظرنا إلى المدارس التشكيلية القديمة وجدناها جميعها نتيجة تحولات وتغييرات لمدرسة واحدةالواقعية، أي أن المدارس الفنية قديمًا كانت تتأثر ببعضها، كانت أكثر حرية، والفنان كان أكثر جرأة. أما اليوم فالفئة الناقدة تفصل تمامًا التقليدية بأنواعها من المدارس عن المدرسة الجديدةالفن المعاصروتجد الدمج بينهما غير جمالي، أو خاطئًا، أو ربما كفقاعة لا مستقبل لها، لذا فهم يرون أنك كفنان مجبر على تحديد انتمائك لمدرسة فنية واحدة، وكأن الفن دين أو جنسية، محصور في مسميات أو مذاهب

     إن البعض يرى لنفسه الحق بنقد الفن كما شاء ما دام ممارسًا لنوع معين من الفنون الموسيقية أو التشكيلية أو المسرحية وغيرها، ولكن الممارسة لا ترخص لك النقد، فغالبًا من يمارس فنًّا معينًا لفترة طويلة ينتمي إلى مدرسة معينة، سواءً كانت قد أُنشئت من قبل أو أنشأها هو بنفسه، لذا فنقده غالبًا ما يكون محدودًا، لأن نظرته بدورها محدودة، محصورة بما يمارسه بنفسه واعتاد على ممارسته. إن ممارستك لتيار فني معين لفترة طويلة لا يعطيك الحق بانتقاد فنان جديد من مدارس مغايرة لمذهبك

     الفن ألطف من أن يصفَّد، الفن مشاعر حرة وأفكار تمتد بأفق لا نهائي، الفن تعبير إنساني، لغة تواصل عالمية، والنقد الذي يقيّد الفنان ولا يطوّره لا يحترم جوهر الفن، ولا يدرك ماهيته، لذا فلنفرّق بين النقد والرأي الشخصي

لا توجد آراء بشأن "[ النقد حقٌّ للجميع ]"

  1. من رأى (سواً كان ناقد او صاحب رأي) قوتك الشخصية في طرحك او عملك الفني لن يجروا على الإنتقاد حتى لو كان نقده واقعياً، انا لستُ بفنان ولا ناقد ولكن انا ارى بأن قوة العمل لايوقفها احد..
    رسالتي لكل فنان وكاتب وصاحب حّرفه ؛
    انطلق للإبداع كسهم يثق بأنه يصنع فرقاً ، وليُرى نِصّلَ سهمُك كشِهاب لايوقفهُ شيء!.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: