[عيد ميلاد حزين]

الطفلة “أنا” وابتسامة إنجاز في فناء منزلنا.
مدينة الخبر، 1998م.

عيد ميلاد حزين، حتمًا أرجو لي عامًا سعيدًا لكن هذه الذكرى تبدو مستثناة.

أكملتُ اليوم عقدي الثالث (أي أني قصصتُ شريط العقد الرابع) والدموع محتقنة، سوء تقدير، ثم سوء توقيت، ثم سوء تفاهم… هكذا كان أسبوعي العشريني الأخير، ناهيك عن شريط الذكريات الذي لم ينتظر لحظة احتضاري وسارع إلي -في خضم كل شيء- ليذكّرني بكل بقعة سوداء في دفتر مذكراتي الدسم، دون أن يكرمني بلحظة فرح.. لا أعني بذلك أني لم أحظَ يومًا بلحظات مبهجة، بل مررت بأيام وأشهر من السعادة، عشتُ من المواقف ما لم تفارقني فيه البسمة لأسابيع، لكن الحزن “كلبٌ”، أجل، حتى في قوته ووفائه كلب.. وكلب صيد ماهر في العض على ذاكرة كل من لا يحصنها ضد المآسي.

ثلاثون عامًا لم يهدأ لي فيها بال ولم يدم خاطري مجبورًا ولو لنصف عام، إذ كان ينخرني السوس بدءًا من اللب، من العمق، من البقعة الأكثر حميمية -كما قيل لي-، ولكن.. هل أكون بقول ذلك ضعيفة؟ الأكيد هو أني أقل ضعفًا من أن أصنف كإنسان ضعيف، بل ربما أكون قوية، ليس إلى الحد الذي مكَّنني من البقاء على قيد الحياة حتى هذه اللحظة فحسب، بل إلى درجة تسلط الضوء على أحلك أفكاري وأسخمها.

ثلاثون خريفًا، جُرّدت فيه (برغبة مني وبلا رغبة) من علاقات كثيرة، تساقطت صفراءَ صفراء، علاقات ظننتها أبدية حتى ظهر لي زيفها المبهرج في آخر الطرق، ففقدت مهارتي في تكوين الصداقات، وفقدت شجاعتي في منح الثقة، وفقدت كلماتي في السؤال وفي الطلب وفي الاعتذار، وحتى صِلاتي التي كان يجدر بي أن أصقلها وأن أشد على أيدي أصحابها قطعتها بيديّ كلتيهما وقايةً واتقاءً، وجبنًا في أحيان.

منذ بضع ليالٍ وقع سمعي على قائمة أغنيات كنتُ قبل “دزينة” من السنوات أستمع إليها في ليالي الشتاء الشرقي، عدتُ إلى تلك اللحظات أفكر في ما كنتُ أتوقعه قبل أن أكمل عقدي الثاني، لطالما التزمتُ بعقدة واحدة -اكتشفتُ سببها مؤخرًا- وهي أني لا أستطيع تخيل ما سأكون عليه بعد عام من الآن؛ إذ أني منذ الطفولة لم أستطع إدراك يوم غدٍ القريب، وبدا لي العام أبعد من أن تدركه تخيلاتي وتنبؤاتي.. تذكرتُ أني في تلك الليالي الباردة، الهادئة -إلى حد قد يكون موحشًا أحيانًا- لم يخطر لي ولو للحظة أي تصور لما سأكون عليه وما سيحيط بي اليوم، لكني أيضًا لم أعلم بأني كنتُ على ميعاد مع رجم وسهام وحبو على الزجاج الصلب الذي كاد أن لا يبقي فيني دمًا.. فبكيت، بكيت بحرقةٍ على تلك الطفلة التي لم أرَ لها براءة ساذجة نقية بقدر ما تكتنزه اليوم..

لطالما كان الأطفال نقطة ضعفي الأكبر فما بالك بالطفلة “أنا”؟

ثلاثون عامًا وأنا أطلبُ الأنسَ الذي لا يشوبه وخزٌ ولا خدشٌ ولا شكٌّ ولا خيبةٌ ولا ألم، ولا أجده إلا بين الأطفال والبهائم.. ثلاثون عامًا وأنا أفسّر نفسي لمن يستحق ومن لا يستحق التبيان والتبرير.. ثلاثون عامًا من الأمنيات المنقطعة التي لم يلمحها شهاب قط.. ثلاثون عامًا من العوم عوضًا عن السباحة، ومن العراك عوضًا عن الملاكمة، ومن الحرب عوضًا عن الصيد.. وها أنا ذي أتنفس، ما زلت أتنفس.. يا للسخرية!

ثلاثون عامًا كادت أن تحولني إلى ورقة بالية تحتاج إلى الترميم، لكنّي أبللها اليوم -ثلاثين ورقة سوداء- لأسكبها على بعد ثلاثة عقود ماضية من اليوم، فأولِد نفسي من جديد، وأدير حياتي بمقودي الخاص، بيديّ هاتين، وبخريطتي غير المكتملة بعد، لأمر على الحقول جميعها ولا أسقي منها إلا بذور سعادتي، ولا أتكئ فيها على سورٍ يعنى بثباته أكثر من إسنادي، ولا أدخل فيها حصنًا بناه لي من لا يرجو من ورائه شيئًا أكثر من أمانه، ولا أسير على خطى إلا خطاي.

ثلاثون عامًا أنتقي منها اليوم من الرفاق ثلةً كانت لي كتفاحة نيوتن، وأرمي ورائي من كان في حياتي تفاحة آدم.

ظلي العزيز، لقد فعلناها! أدركنا الثلاثين من العمر رغم كل شيء، ورغم أنفي.. أرجو لنا عامًا سعيدًا.

11.01.2022

الإعلان

4 رأي حول “[عيد ميلاد حزين]

  1. ابتسمي… ستدركين أن الثلاثينات أجمل من العشرينات ، ففيها النضج و الهدوء و بعد النظر وذلك نتيجة لما خصتيه من تجارب في عقد العشرينات ، كل عام و أنتي بخير يا أجمل و ألطف سارة 🌻🎙

    Liked by 1 person

  2. أدركت ال٣٠ محملةً بتجارب ال٢٠ و نقاء ال١٠
    طفولة ال٣٠ التي لا تنتهي ..
    هناك دائما روحاً جميلة تحوم حول قلبك تحميه من عتو العمر .
    عمر مديد و ايام سعيده و حب حنون اتمناه لك يا صديقي العزيز 🤍🤍

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s