[ الهدير ]

-لا يطيقون تحملك.
-صه! استمعي جيدا، انصتي.

-انصتي أنتِ لقد…
-شششه هدوء، قليلًا، هل تسمعين الهدير؟

-هدير ماء، وماذا في الأمر؟
-انصتي جيدًّا واغمضي عينيك، أليس حزينًا؟

-الماء لا يشعر يا بلهاء.
-أليس صوته كالهمس الحزين؟ والحمامة، هديلها يبدو كالأنين، كأنين السجين.

-يا إلهي كفي عن هراءا…
-اقتربي مني، هيا اشتمّي رائحة قميصي.

-ماذا ب…
-اقتربي فحسب !

-ياه !
-أريتِ؟ هذه زفرة حنين، الناس لا يبغضوني، هم يعترضون فقط لأنهم لا ينفكون عن قراءة حزني أكثر وأكثر كلما لمست ذاك الجرح بداخلهم.

-ومن أنتِ، طبيب ؟
-بل مجرد إنسان تصالح مع علته، فحولها إلى سيمفونية.

-الموسيقى حياة.
-فعلًا والحياة محزنة.

-الحياة جميلة.
– أجل فللحزن جاذبية.

-أعني أن الحياة حياة، كيف أشرح ذلك؟! حسنًا، الحياة كطفل خطا خطوته الأولى وهو يضحك، وفرح بخطوته والداه، أجل!
-أتعنين والديه اللذين يكادان “يبكيان” من الفرح؟

-وإن يكن فالسبب مفرح!
-أجل لكن للحزن بصمته هنا.

-وماذا عن الطفل أليس فرحًا؟
-الطفل عندها لن يفهم هذه المشاعر، لا وعي حقيقي عنده بعد، ربما الخوف هو ما يؤثر فيه حقا.

-ما تفسيرك لسعادته عندها؟
-هرمون، حركة فسيولوجية بداخل جسده الصغير، تتسبب بتحرك عضلات وجهه أيضًا فيبدو مبتسما وتصدر من حنجرته صوتًا نسميه ضحكًا والسبب هو الدهشة، ليس الفرح! فهو في مرحلة لا يستطيع فيها إدراك الإنجاز، لا تحركه الرغبة بالإنجاز، بل المغامرة، كل طفل صغير يخطو خطوته الأولى يستمتع بشعورين، هما الخوف والدهشة، يخاف فيغامر ويخطو خطوة ويندهش ويختلط خوفه بدهشته فيتحمس للثانية ويضحك خوفًا ودهشةً…

-آه أف دعينا من خزعبلاتك!
-هل تفكرتِ بمعنى هذه الكلمة أيضًا؟

-صهٍ اسمعيني حبيبتي، كنت أحكي لكِ عن الحياة لا عن الطفل.
-ما بها ؟ حزينة وجميلة وماذا بعد؟

-لا، الحياة مخزن سعادة.
-أجل لذلك بكينا حين وُلدنا، بكينا فرحًا.

-أتحدث معك بجدية، الحزن مرض.
-أنا أحزن إذن أنا إنسان.

-إنسان محطم.
-لستُ محطمة، أنا فقط أستشعر أعماقي.

-آه كم هي خاوية!
-وبعد أن تنام أحزاني…

-جميل تنام، أها؟
-أستطيع عندها الشعور بالسعادة عندما تزورني.

-بربك!
-ماذا؟

– الحزن عشيرك والفرح مجرد زائر؟
– أجل، شيء طبيعي.

-آه كم أنتِ مريضة!
-عندما نجوع ولا نجد ما نحب من طعام نشعر بشعور بسيط جدا بالحاجة والحاجة مرتبطة بالحزن.

-واو!
-وعندما نشعر بالبرد نتمنى حضنًا دافئًا فنحزن.

-رومانسية.
-وعندما.. فعلًا رومانسية! الرومانسية مدرسة أدبية تعتمد على الحزن.

-يا إلهي عرفت الآن لمَ لا يطيقون تحملك.
-هم؟ هم يقرؤون، والقليل منهم يتطفلون، والبعض منهم يطبطبون على حقيقة مشاعرهم بالعبارات الإيجابية والشعارات البهلوانية، لكنهم يستمرون بالقراءة.

-مشفقين عليك.
-ممم لا أظن ذلك، بل…

-كم يحزنني حالك!
-أرأيتِ؟ حزن! حتى النقاش جعلكِ تحز…

-أعني يؤسفني، أجل يؤسفني عفوًا.
-الأسف من أخوان الحزن!

– آه أعني أشفق عليك، حسنًا؟
-الشفقة م…

– من أحفاد الحزن، حسنا كفى، كفّي أرجوكِ، يا إلهي انظري إلى تعابير وجهك المستفزة.
– ههه إنني مبتسمة، أحكي عن الحزن بابتسامة، أما أنتِ -يا رب يوسف الجميل- ما أقبحها وهي عابسة!

-لأنك أثرتِ غضبي.
-العبوس…

-حزن، حزن.. يا إلهي أتتحدثين معهم هكذا دائمًا؟
-لا، ليسوا بحاجة إلى كل هذا، هم يدركون حزنهم، يعترفون به، أما أنتِ فعلى الرغم من تكدس المآسي وتراكم الصرخات بداخلك إلا أنتِ مصرة على مجادلتي.

-دعيني وشأني.

-تصبحين على وجهي، الحزين، الضاحك ههه.

-اغربي عن وجهي!

[ شخصٌ ]

     “شخص”.. رجل نحيل الساقين، كبير الكرش، متبلد التعابير إلا من عينين فضوليتين، لا يرتدي إلا اللون الأزرق بدرجاته كلها غير مهتم بتناسق لباسه، أشعث الشعر، يبقيه مبعثرًا ورطبًا كفرخ خرج للتو من بيضته، لا يسرحه أبدًا، كلما انتقد أحدهم مظهره، ردد: “الجمال جمال الروح”، بينما لا تجد في روحه جمالًا فهو لا يستطيع تحمل الاختلافات، ولا يكف عن شب الخلافات، ولا يحب الأطفال، وتشده الفضائح، ويصدر الإشاعات، ولا يغفر خطايا، ولا يمهل فرصًا، وكل الناس عنده سواسية، خبثاء، ووحده الطيب في هذه الدنيا.

     قناعات “شخص” ثابتة لا تتغير، متمسك بشدة بمبادئه، لا يصوب معتقداته فهو في اعتقاده لا يخطئ أبدًا، كالجبل لا تؤثر فيه الرياح. إن “شخص” لا يواكب الزمان، ولا يتكيف مع المكان، ولا يخضع أفكاره للتقييم الشخصي ولا لتقييم الآخرين، كلما انتقد أحدهم ذلك، ردد: “لستُ إمعة”، بينما يصف الذين يأبون الانصياع لآرائه وتقبل فكره بالرجعيين.

     أفكاره تقليدية جدا، محصورة ضمن إطار ممل، لا يستطيع التفكير خارج الصندوق، ويرفض كل حديث، يرفض كل مبدع، يرفض كل شيء عصري أو معاصر، يرفض كل محاولات التطوير، يمقت النهضة العمرانية، والتقدم التقني، كلما انتقد أحدهم هذا، ردد “شخص”: “أنا ذو معدن أصيل”، بينما تجده يبادر باقتناء أحدث هاتف نقال ولو اضطره ذلك إلى الاقتراض، ولا يوفر كل احتياجات المنزل إلا عن طريق تطبيقات هاتفه الذكي، وأول وجهاته في الخليج مثلًا وشرق آسيا هي الأبراج العالية التي لا يكف عن التقاط صور لها ومشاركتها الجميع على مواقع التواصل.

     متطرف في كل شيء لكنه يدعو بلسانه إلى الوسطية، متعصب لأي شيء لكنه يعادي كل متعصب لتيار لا ينتمي هو إليه، يسيء الظن في كل شيء وإن حُكم عليه سلبًا استنكر بسؤاله: “أتعلمون الغيب وما في الصدور؟”، لا يلتمس الأعذار أبدًا ولكنه كثير الاعتذار وإن كرر الأخطاء عشرات المرات.

     تناقش “شخص” في أي أمر فتجده يتحدث بلسان الإنسان الفريد الذي مات أشباهه ولن يلحقه مثيل، على الرغم من أنك تجده حولك أكثر من عدد مرات رؤيتك لنفسك في المرآة.

     إن “شخص” يشبه الطاووس في غروره، والأسد في استبداده، وكسلان الشجرة في بروده، والدب في سباته، والبومة في تربصها، والنمل في نمطيته، لكنه بشكل أكبر يشبه الإنسان، حسنًا إنه إنسان لكنه فعلًا يشبه الإنسان الشائع، أو هكذا أراه..

  • ما الإنسان الشائع ؟

     الإنسان الشائع هو إنسان اعتدنا مقابلته، وغالبًا ما ننتمي إليه إلى أن نرتقي إلى سلم التميز، فيوقن بعضنا وصوله إلى هذه المرحلة والبعض الآخر منا يدعي شيوعه أمام المتأخرين عنه، والذين يساوون أكبر نسبة سكانية ممكنة على هذه الأرض.

     تستطيع أن تميز الإنسان الشائع من مهاراته المتعددة والتي يمارسها بتلقائية تامة، فتجده مثلًا -إن كنت منتبهًا- يهمس في أذن زوجته في السوق وهو يقرص طفله وينظر إلى امرأة لا تشبه امرأته أبدًا في أي شيء، ويقبض بشده على محفظته خوفًا مما يجهله وتجهله، يفعل ذلك كله في لحظة واحدة، تجده أيضًا يكشف عن كرشه الضخمة في غرفة من منزله شبه فارغة من كل شيء إلا اللون السكري، أمام تلفاز، قد رفع صوته ليصدح معلق إحدى المباريات التي لا يشجع أي من فريقيها، وهو في الوقت ذاته يكتب شعرًا كله “قمر وقهوة” يظن أنه يتحدى به نزار قباني، وأكواب الشاي نصف الممتلئة أمامه قد بردت، أو قد تجده عند الإشارة لا يفكر إلا في شيء واحد: (كيف أقطع الإشارة قبل الجميع حتى وإن كنتُ خلفهم؟)، تجده عند المطعم يباشر بالطلب دون إلقاء تحية، وإن ابتسم غريب في وجهه نظر خلفه باحثًا عن غيره وكأنه لا يستحق “الصدقة”، وينادي بحقوق المرأة وهو يغار على اسم “أم عياله” من مسامع الغرباء، وعلى الرغم من أنه لا ينطق كلمات لغته بالطريقة السليمة إلا أنه ينقل ضعفه اللغوي إلى اللغات الأخرى مقحمًا إياها في حوار ثقافي.

     عندما يتحدث “شخص” عن إشارة المرور يتطرق إلى أسرة رئيس البلدية، وإن تحدث عن إعلان شفرة الحلاقة تطرق إلى رائحة زبون دائم في صالونه المفضل، وإن تحدث عن القيم الغذائية للبقدونس -مثلًا- تطرق إلى حجم ثالول أنف بائع دكان الحي، فهو لا يستطيع أن يجرد حديثه من الناس، وإن انعزل بنفسه في قهوة مزعجة مليئة بالذباب قال: “ما أجمل الانعزال عن الناس قليلًا، لا ينفك أحدهم عن أكل لحم الآخر.”

     إن “شخص” إنسان تقليدي، يدل على ذلك اعتقاده بأنه شخص متنور -بالمعنى الحقيقي للتنور- لكنك إن نطقت أمامه كلمة “تنوير” قال: “سحقًا للمتنورين!”، وهو شخص باعتقاده أنه متحرر -بالمعنى الحقيقي للتحرر- لكنك إن نطقت أمامه مصطلح “الحرية الفكرية” قال: “تبًّا للمتحررين!”، وهو شخص يدعي فهمه لكل شيء بلا استثناء، حتى الدين، لكنك إن ناقشته دينيا فيما يخالفك الرأي فيه قال: “لا تفتِ فيما تجهل!”، وإن ناقشته في شيء عام لا يفهمه قال: “كف عن الفلسفة!”، وإن استطعت إقناعه بخطئه وصوابك انشغل فجأة بأي شيء لم ينتبه إليه بسببك قائلًا: “أشغلتنا يا رجُل!”، وإن تحدثت له عن شخصيات لم يسمع بها قال: “يا لتفاهة المثقفين!”.

     “شخص” هو شخص لا بصمة إيجابية له وكم اعترض على انعدام نفعنا للآخرين، وهو لا يفكر إلا بنصف عقله في كل أموره فيفشل فيها واضعًا اللوم على جهل والديه، ولا يسعى إلا بنصف صبره في كل أموره فيفشل فيها واضعًا اللوم على ولاة الأمر وكبار المسؤولين.

     “شخص” يضع كل شيء من أملاكه في مقارنة مع نصيب الآخرين، وإن حصل على ما عندهم لم يكتفِ، وإن لم يحصل عليه قنط واستاء وتمنى الموت، ويضع وطنه في مقارنة مع أي دولة متقدمة عنه، وإن تقدمت بلده انتقد التقليد والسلطة الرابعة وقص عليك نظرية المؤامرة، وينادي باسم العفة وهو يقذف، وينادي باسم الطهارة وهو سيء الظن وبذيء اللسان، وينادي باسم الإحسان وهو لا يترقب إلا كلام الناس، وينادي باسم الإخلاص والتفاني وهو مرائي، وينادي باسم العدل وهو يبحث عن أسباب تشرّع له رِباه أو رشوته أو تحايله على القانون.

     “شخص” هو أكثر الكائنات تخلفًا، وربما أكثرها شرًّا، ولكنه مؤمن بأن باب التوبة مفتوح، وأن توحيده يكفيه، ويعتقد بأنه طيب النية، وما الأعمال إلا بالنيات؛ فكم مرة قابلت “شخص” أو بعضه؟ وماذا عن “إحداهن”؟

[ تحت المراقبة ]

1

     يرتدي قميصًا داكنَ الزرقةِ، وبنطالًا بنيًّا، وقبعتَهُ المسطحةَ الرماديةَ الباهتةَ، وبينَ سبابتِه اليمنى والوسطى سيجارةٌ تكادُ تصبح إصبعًا سادسًا، يضعُ ساقًا على الأخرى، يشيحُ بنظرِه إلى الفضاءِ البعيدِ بعينين شبهِ منغلقتين وكأنهُ غارقٌ في التفكيرِ، لا ينفكُّ عن تلكَ العادةِ كلما شعرَ بأنَّ الأنظارَ جميعَها عليهِ، ويظهرُ توترُهُ في اضطرابِ ساقِهِ اليسرى، وشعورُهُ بالمراقبةِ في دقةِ تحركاتِهِ، على الرغمِ من أنَّ لا أحدَ ينظرُ إليهِ، وقد لا ينتبهُ أحدٌ لوجودِهِ، بل أنه أحيانًا وبعدَ ساعاتٍ منَ التوترِ يصيبُهُ الفضولُ لينظرَ إلى الماكثِ على يمينِهِ فيكتشفُ أنهُ مجردُ مقعدٍ نسيَ صاحبُهُ معطفَهُ عليهِ، أو مجردُ عمودِ إنارةٍ قصيرٍ علقَ على رأسِهِ كيسٌ بلاستيكيٌ، فيشعرُ بالخجلِ من نفسِهِ.

     مصابٌ بفوبيا الجمهورِ، كانَ ربيبَ الأوامرِ، ربيبَ المراقبةِ فاعتادَ عليها، كلما أرادَ تبديلَ ملابسَهُ طفلًا كانَ يستترُ خلفَ بابِ الخزانةِ أو خلفَ الستائرِ لكيلا يراهُ أحدٌ، كانَ يعيشُ سنينَهُ كما لو كانَ متبعًا بآلاتِ التصويرِ أينما ذهبَ، تنظرُ إليهِ فتطري على أدبِهِ، وكأنَّهُ خاضعٌ لرقابةِ اللهِ أو مسيطرٌ على أفعالِهِ بالرقابةِ الداخليةِ لكنَّهُ في الحقيقةِ لم يشعر يومًا بأنَّهُ بمفردِهِ، فلو خطرَ على بالِهِ أن يقترفَ خطأً، تذكرَ جملةَ: “ماذا سيقولُ الناسُ عنكَ إن فعلتَ هذا؟”، ولو خطرَ على بالِهِ أن يقولَ شيئًا تذكرَ جملةَ: “العصفورُ يخبرُني بكلِّ كلمةٍ تقولُها”، ولو خطرَ على بالِهِ مجردُ التفكيرِ بشيءٍ ما، ردَّ عليهِ صوتٌ آخرٌ في نفسِهِ يوبخُهُ أو يثني عليهِ.

     كثيرًا ما كانَ يفكرُ فيما لو لم يكن سواهُ حقيقيًّا في هذا العالمِ، يرى الناسَ يصابونَ بأخبثِ الأمراضِ، يراهم يستقبلونَ أثمنَ الهدايا، يراهم يصابونَ بالسوءِ الماديِّ المحسوسِ وينعمونَ بالسعادةِ الماديةِ المحسوسةِ ولكنَّهُ مختلفٌ جدًّا بينهمُ، لا يصعدُ إلى قممِهم ولا ينخفضُ إلى قيعانِهم، فيتساءلُ عما إذا كانوا أناسًا مثلَهُ يشعرونَ مثلَهُ، يحاسَبونَ مثلَهُ، أم أنَّهُ خُلِقَ وحيدًا على هذهِ الساحةِ محاطًا “بكومبارساتٍ”  لم توجد إلا لاختبارِهِ ولدَبِّ الخوفِ فيهِ أو لإعطائِهِ الأملَ وتحفيزِهِ لأن يكونَ أفضلَ مما هوَ عليهِ، يسمعُ بالفقرِ والمجاعةِ لكنَّهُ لا يمرُّ بهما مهما ساءت أحوالُهُ، يسمعُ بالغنى والثراءِ ولكنَّهُ لا يكسبُ في أي “ضربةِ حظٍّ”، يرى المشاعرَ من حولِهِ كما لو كانت أفلامًا ومسرحياتٍ، ردودُ الأفعالِ من حولِهِ مبالغةٌ جدًّا، بينما يبتسمُ هوَ في شدةِ فرحِهِ، وينعزلُ في شدةِ حزنِهِ، لا أكثرُ من ذلكَ ولا أقلُّ، ولا يحذو حذوَهمُ مهما حاولَ ذلكَ، فيحسبُ نفسَهُ غيرَ طبيعيٍّ، أو ربما مفصولًا عنِ العالمِ، أو مصابًا بأيِّ اضطرابِ من الاضطراباتِ التي يترددُ ذكرُها في مجالسِ علماءِ النفسِ كما يخيلُ إليهِ.

     في كلِّ مرةٍ يذهبُ فيها إلى مكانٍ عامٍّ ليختليَ بنفسِهِ يصطحبُ كتابًا ومفكرةً وقلمًا، يفتحُ الكتابَ ليقرأَهُ فتمرُّ الدقائقَ وهوَ يعيدُ قراءةَ الصفحةِ حتى منتصفِها وذهنَهُ خالٍ من الأفكارِ، لا يستطيعُ الانسجامَ، لا يفهمُ كلمةً مما بينَ يديهِ، الناسُ ينظرونَ إليهِ وكأنَّهُ ظاهرةٌ فريدةٌ من نوعِها، أو هكذا يظنُّ، يغلقُ الكتابَ بتعبيراتٍ على وجهِهِ وكأنَّهُ لم يقتنع بما قرأَ، حتى لا يتعجبَ الآخرون من أنهُ أغلقَهُ بعدَ هذا الوقتِ دونَ الانتقالِ إلى الصفحةِ التاليةِ، أو هكذا يظنُّ، يفتحُ صفحةً بيضاءَ ويتناولُ القلمَ، يرتشفُ من كوبِهِ المرِّ، ويحاولُ تجنبَ إظهارِ عدمِ تحملِهِ للمرارةِ حتى لا يحسبُهُ الآخرون يدعي حبَّ القهوةِ السوداءِ، أو هكذا يظنُّ، يبدأُ بالكتابةِ، يكتبُ، ويشطبُ، ويكتبُ، ويشطبُ، ثمَّ يتذكرُ مراقبةَ الناسِ، فيكتبُ -على الأقلِّ- مقطعًا من أغنيةٍ ظلت تنخرُ طبلتيهِ طوالَ اليومَ، ويبتسمُ، ليظهرَ بمظهرِ الكاتبِ الذي أفرغَ ما بجعبتِهِ منَ المشاعرِ والأفكارِ، حتى يعجبَ بهِ من يراقبُ تحركاتِهِ، كما يظنُّ، ينظرُ إلى الطاولةِ المقابلةِ لهُ ليبتسمَ في وجهِ صاحبِها فإذا بهِ يجدُ كفيفًا، ينظرُ إلى الطاولةِ المجاورةِ فيجدُ طالبًا منهمكًا في دروسِهِ، وإلى الطاولةِ الأخرى فيجدَ العاملَ ينظفُّها، لم يكن هناكَ من ينظرُ إليهِ، كما ظنَّ، يحملُ أدواتِهِ، يسمعُ من يناديهِ بسيدي، فتدبُّ الحماسةُ فيهِ، أن قد يكونُ شخصًا يودُّ أن يسألَهُ عن اسمِ الكتابِ، يناديهِ مرةً أخرى باسمِهِ،  فتزدادُ دقاتُ قلبِهِ، أن ربما يكونُ شخصًا ميزَ وجهَهُ ككاتبٍ، يلتفتُ ليجدَ المحاسبَ يذكرُهُ بدفعِ الفاتورةِ.

     يعودُ إلى المنزلِ، ساحةِ الحريةِ، أخيرًا عمَّ الظلامُ على المدينةِ وحانَ موعدُ التصرفِ براحةٍ، تجتاحُهُ الرغبةُ بارتداءِ سروالٍ فقط وبعثرةِ شعرِهِ ومشاهدةِ مسلسلٍ كوميديٍّ بأعلى صوتٍ وتناولِ الفشارِ، وشربِ ما استطاعَ من مشروبِ الطاقةِ، لكنَّهُ يتذكرُ أنَّهُ إنسانٌ مثقفٌ، كاتبٌ، فيرتدي بجامتَهُ كاملةً، ويسرّحُ شعرَهُ، ويضيءُ مصباحَهُ الصغيرَ، ويسكبُ لنفسِهِ حليبًا عضويًّا، ويبدأُ الكتابةَ على مكتبِهِ، فلا يجدُ ما يكتبُ عنهُ، يشعرُ بأنَّهُ مقيدٌ جدًّا إلى درجةِ خوفِ الأحرفِ من أن تنهمرَ دفعةً واحدةً بينَ يديهِ، يأخذُ أنفاسَهُ، شهيقٌ عميقٌ، زفيرٌ موجعٌ، صدرُهُ يؤلمُهُ، ربما كانت هذهِ ليلتَهُ الأخيرةَ.

     يراجعُ نفسَهُ، يسترجعُ شريطَ حياتِهِ الماضيةِ، ويدركُ أنَّهُ لطالما أسكنَ نفسَهُ سجنًا بلا قضبانٍ، وابتلاها بقيدٍ بلا سلاسلِ، يقررُ الاستمتاعَ بالحياةِ بعيدًا عنِ المثاليةِ، يضعُ يدَهُ على قلبِهِ، يحاولُ استشعارَ الألمَ، لم يعد يشعرُ بهِ، يصيبُهُ وسواسٌ أنهُ صارَ يوسوسُ، تتحركُ الأشجارُ في الخارجِ ويرى ظلالَها لكنَّهُ يخافُ، يصرُّ على أن أصواتَها أصواتُ بشرٍ داخلَ منزلِهِ، يستجمعُ قواهُ لمواجهتِهم بشجاعةٍ، يبحثُ عنهم، فلا يجدُ أحدًا، يصيبُهُ وسواسٌ أنَّهُ صارَ يهلوسُ، يتعرقلُ في طريقِ عودتِهِ إلى غرفتِهِ، فيصيبُهُ وسواسٌ أنَّهُ كادَ أن يفقدَ وعيَهُ، يخفقُ قلبَهُ جراءَ حاجتِهِ إلى النومِ، فيصيبُهُ وسواسَ أنَّ ملكَ الموتِ يترقبُّهُ، يعودُ بخوفٍ إلى مكتبِهِ، يتناولُ قلمَهُ الأسودَ بيمينِهِ، ويكتبُ وصيتَهُ، يبكي خوفًا من الموتِ حتى يغفوَ.

     يصحو في الصباحِ التالي، خائبَ الظنِّ، ما يزالُ على قيدِ الحياةِ، فيصيبُهُ البؤسُ، يرتدي قميصًا آخرًا، وبنطالًا آخرًا، والقبعةَ ذاتَها، ويذهبُ ليتناولَ القهوةَ ذاتَها على الطاولةِ ذاتِها، مقيدًا بالدقةِ، منمقًا، تكسوهُ الثقافةُ، تحكمُهُ مراقبةُ الناسِ، بينَ يديهِ كتابُ الأمسِ ذاتُهُ، بعنوان: “العمرُ أقصرُ من أن تقضيَهُ كما يريدُ الناسُ”.

[ عقلٌ وقلب ]

ماذا بك ؟
ألن تكف عن التعاطف ؟

ليس تعاطفًا بل إحساس، أشعر أنك لست على ما يرام.
إن أردت الحق، العقل لا يكون على حالٍ أفضل من التفكير، ما فائدة وجوده دون التفكير ؟

لكن هذا موجع، ألم تفكر في التوقف عن التفكير قليلًا ؟
عندها كيف أظل عقلًا ؟!

يمكنك التناسي، التناسي نعمة، تبعد عنك القلق
أنا لا أقلق، القلوب تقلق، أما أنا فيصيبني التشويش..

تتشوش فأقلق !
نحن منفصلان، مستقلان، العقل مستقل بطاقته والقلب كذلك.

بل نحن متصلان ببعضنا أكثر من أي شيء آخر لأننا نتشارك جسدًا واحدًا.
ليس دليلًا كافيًا

حسنًا ألا تراني أتأثر بك وأتألم كلما وقعتَ بين شكك ويقينك ومجموعة احتمالاتك الساذجة ووساوسك المضجرة ؟
هذا حال القلوب أما نحن فلا نتأثر بكم.

إذًا كيف الخلاص من هذا الارتباط الوثيق إنك توجعني، دلني على شفاءٍ منك.
أنت من اخترت طريقك فلتوجد حلًّا بنفسك.

ارحمني، إنني لا أفكر.
اعتقني، إنني لا أشعر.

[ كم أحب هذا وهذا ]

– أحب شاربك، وهذا الشيب في ذقنك، وصوتك حين تقاوم المرض لتغني لي، وذكاؤك الذي يفوقني بمراحل.
– أحبكِ لأنكِ أنتِ، وبعدها يصيبُ حبّي تفاصيلك الأخرى.

– ولمَ تعدها إصابةً ؟ هل شكوتُ لكَ حبّك من قبل ؟
– لم أعنِ وصفه بالمرض ولكنه ضربٌ من الجنونِ يصيبُ كل عاقلٍ ينتمي إليك.

– واثقٌ جدًّا، وأحب فيك هذا.
– كما أن السهم يصيب الأهداف، وأنتِ أهدافي.

– وما الذي يؤكد لكَ أن أسهمك أصابتني ؟
– ممم لا أدري، دعينا نعدد البراهين، ربما لأنكِ علمتِ بأنها أكثر من سهمين ؟

– أو ؟
– أو ربما لأنكِ من أفصح أولًا عن حبه ؟

– أو ؟
– أو لأني لا أخسر أبدًا ؟

– مغرورٌ، وكم يروقني هذا.
– أو لأنكِ ما زلتِ تحاوريني..

– وكيف يكون ذلك برهانًا ؟
– لأن المرأة التي أحب لا تخوض حوارَ عقلٍ مع رجلٍ لم يسرق قلبها.

– مراوغ، وأحب فيك هذا.
– لمَ لا تقولين فحسب : أحب كل ما فيك ؟

– لمَ برأيك ؟
– لأنك تعشقين الاسهاب في التفاصيل، وكم أحب فيكِ هذا.

[ غريزة ]


توأم يقفان عند بائع البوظة ، يرى أحدهما بائعَ البالون فيستأذن الآخر ليذهب لشراء بالونتين .

الطفل الأول – يأخذ البوظة ، وينتظر أخاه .

الطفل الثاني – يذهب مسرعًا ، ويشتري بالونة له وأخرى لتوأمه .

الطفل الأول – يلتقي طفلةً جميلةً تبتسم لهُ .

الطفل الثاني – يعودُ مسرعًا ليعطي أخاه بالونة ، فيجد بوظته مع الفتاة .


[ طفلةٌ رجلُ سيجارة ]


تحت عمود الإشارة

طفلة رجل سيجارة

يمسك يدها بعنفٍ

يشرب التبغ بلطفٍ

يلعن المطر الغزير

أطفأ الكيفَ الكبير

يرمق الطفلة بنظرة

تبكي نهرًا ليس قطرة

” كفي عن دلع البناتِ

العقابُ آتي ، آتي “

تشهقُ الخوفَ الظلومَ

لا تذوق الحبَّ يوما

يصل عند الترابِ

يحفرُ قبر العذاب

يبرحُ الطفلةَ ضربًا

يفقدُ العقلَ و قلبًا

يدفنُ المسكينة حيّة

يبصقُ باسم التحيّة !

يحسبُ الأمر شجاعة

لا يحس بالبشاعة :

” سأعودُ للرجالِ

أظهرُ الحولَ بحالي “

تخرجُ عيناهُ فجِعة !

مات في حادثِ سرعة ..