[ حُرٌّ .. موجودٌ ]

 

 

0-2.jpg

 


 

عاصفة من حروف ونيران وثلوج،
تثور بداخلك،
بل ترقص،
تترنح كعازفة كمان عالقة
بين مشاعرها المختلطة ونشوة الموسيقى،
عاصفة غريبة،
لكنك لا ترجو هدوءها.

تشعرك بأنك وُلدت من جديد،
وخُلقت من جديد،
تشعرك بأنك خَلقتَ بداخلك
نفسك التي كنتَ قد قتلتها بيديك.

تلازمك،
وتبدو قويًّا بالرغم منها،
لكنك في لحظات وفجأة
تجد نفسك وسطها؛ وكأنها قد ابتلعتك.
تعيش بداخلها وتعيش بداخلك،
أو تصبحان كالجسد الواحد،
جسد يدور حول نفسه،
كصوفي لا يرجو التوقف قبل الصعود إلى السماء.

رقصة على الماضي،
لا ترى مرارته،
بل تراه حلوًا،
حسنًا ولكنه قوي المذاق،
كعنب تعصره بقدميك بقوة حتى تسقط منهكًا،
وتثمل بنبيذه لتصعد أيضًا إلى السماء.

جذورك مغروزة في باطن الأرض،
وثابتة كشجرة معمّرة،
ولكنك تحلّق.. تحلّق بعيدًا،
ولا يكفيك الصعود إلى القمر،
ولا إلى السماء العليا.

عاصفة تجذب إلى قلبك حب نفسك،
وتطرد عنه العمى،
تذكرك بأنك هنا، موجود..
لا تحتاج إلى ما يثبت وجودك،
فأنت حقيقي.. حقيقي جدًّا،
لم تكن وهمًا يومًا ولا خفيًّا،
أنتَ هنا ظاهر لكل مبصر.

بِصمتك يسمعك الآخرون،
وبحديثك ينصتون.

أنتَ هنا ليسَ لشيء إلا لأنك أنت،
تردد بداخلك: أنا أنا إذًا أنا موجود.

تدور الأحرف في دوامة لا تحرقها النار،
ولا تجمدها الثلوج،
ولا تطردها العاصفة.

تدور الأحرف لتعبّر بطريقتها
عما لا يفهمه أحد سواك.

مباركٌ لك،
لقد تحررت من القيود.

[ أنا هنا ]

unnamed


مرحبا..

منذ ذلك اليوم وحتى الساعة وفكرتك لا تنفك عن التردد على ذهني، أعني، عندما قلت لي بأننا أقوياء بين الناس وخاصة المقربين منا، أقوياء ونخفي ضعفنا لنحميهم من علامات انكسارنا.

صحيح، ولكن… ألم تمر بك ليالٍ شعرت فيها بأنك في جوهرك محطم وهش وفارغ لا يملؤك سوى الركام والرماد، وتود لو أن أحدهم يشعر بضعفك ويراه ويدركه، دون أن تطلعه على ذلك بنفسك ؟

طبعًا، لأنك تضع حاجزًا دائمًا بينك والآخرين، فمهما كنت واضحًا معهم إلا أنك أحيانًا تكون بحاجة ماسة إلى الإفصاح عن مكنونك ولكنك لا تستطيع، ليس كبرياءً منك ولا لتؤثرهم على نفسك بالهناء، كل ما في الأمر أنك لا تعرف كيف وأين ومتى ومع من يمكنك ذلك.

تحتاج بشدة لأن يدرك شخص ما مدى وهنك، أي شخص، على أن يكون شخصًا لو بكيت أمامه تقبلت منه العناق، وإن ابتسم لك أو تحدث معك أشعرك بالأمان.

لربما كنت على معرفة بثلةٍ ممن يناسبهم هذا الدور في تلك اللحظة، ولكنك تتمنى وجود غريب قريب لا يرجو منك شيئًا، يهمك وتهمه، بطريقة غريبة، وبأنانية منك تجعله يدرك الضعف الذي فيك، شخص قويّ لا يتأثر بك سلبًا أبدًا، لكنه يشعر به ويفهمه كما لو كانت أنت.

كأن جرحك أو ألمك أو أيًّا كان ما يهلكك يقف في حفرة دفينة بداخلك وعميقة وربما لانهائية، يقف هناك ويصرخ بأقوى صمت قد يزلزل الكون بأكمله: “أنا هنا، أنا هنا ولكنني لا أظهر، أنا هنا ولكنني لا أظهر حتى وإن رغبت في ذلك فإني أظل عالقًا عاجزًا عن الخروج، لأني حبيسٌ بين روح وجسد شخص على الرغم من ضعفه قوي، وينسى أنه رغم قوته ضعيف”.

هذا ما أشعر به، وأكتفي بوصفه هنا، بأحرف، وكأن الحرف درعٌ يحميني من الوضوح، لا أبحث من ورائه عن حل ولا أطلب النجدة، فقط أتركُني وشأني للثواني، للساعات، للسنين، لعل يومًا شافيًا قد يجيء وتشرق علي شمسه، يومًا أراه بعيدًا جدا جدا عني، ليس لأني لا أستحقه ولكن لأني أعرفني جيدًا، ولا أدري إن كنت أحب هذا الشيء فيني أو أكرهه، ولكني أدرك أنه يبقيني على قيد الحياة، وإن كنت على قيدها وحيدة ومتعبة.

[ كشّر وقهقِه ]

     كثيرًا ما تنتابنا مشاعر ولا نستطيع إخفاءها، وقد نرى البعض في ابتهاج دائم على الرغم مما يخالجهم ونتعجب من ذلك، إن ملامحنا إن لم تعبر عن شيء -أي تعابيرنا المحايدة- تعطي صورة سلبية عن مكنوننا، وتكون وسيلة لتسهيل وقوعنا في الطاقة السلبية، كلما اعتدنا على رؤية اللاتعبير مهدنا الطريق للبؤس أو الضجر أو الحزن، لكننا في الوقت ذاته كنا -كمتبلدين- أقرب من الحزين إلى السعادة برأيي.

     في أحد الأيام قيل لي أني دائمًا ما أبدو بائسة، مقطبة الجبين، هذا ما ظن أحدهم أنه يراه كل يوم، ولكن الحقيقة هي أني كنت غالبا ما لا أظهر إلا بتعبير اللاتعبير -كما أحب تسميته- حيث يتساوى حاجباي ويستقيم خط شفتيَّ ويخلو وجهي من التجاعيد الضاحكة والباكية، وقد أكون عندها سعيدة وأحسبني أظهر ابتسامتي ولكنها لا تظهر.

     قررت عندها أن أتقمص في اليوم التالي “حالتي الحقيقية”، أعني أن أظهر حقيقة مشاعري على وجهي، فأبالغ -إن كان ذلك يعني المبالغة- في رد فعلي التعبيري.

     استيقظت، متفائلة -ككل يوم- بيوم جميل، لكن الفرق هذه المرة هو أني عندما نظرت إلى المرآة لأرى وجهي وجدته على الرغم من كونه غير متشائم إلا أنه غير متفائل أيضًا، فابتسمت، ابتسمت ابتسامة لائقة، وحرصت على ألا تزول، فصرت بشكل لا إرادي عندما أنظر إلى ما أحب أبتسم ابتسامة أكبر، وانعكس ذلك على الآخرين حيث صار من السهل عليهم الحديث معي عن أي شيء.

     وأحيانًا أمر بيوم روتيني لا سوء فيه إلا الروتين نفسه ولا حسن فيه غير أنه ليس سيئًا ! وأكون عندها بحاجة لأن أفرغ طاقتي في شيء ككتابة -على سبيل المثال- نص حزين، فأتقمص الحزن على الرغم من الراحة لأستحضر فكرة تلهمني.

     تمثيل الشيء قبل حدوثه ليقع، قد يكون أحيانًا فكرة سليمة، افتعل ما ليس حقيقيًّا حتى وإن كنتَ لا تشعر بعكسه، وإن كانت مشاعرك مستقرة إلى درجة التجرد من التصنيف، عندها فكر فيما تود أن تشعر به وجرب أن تتقمصه.

     برأيي أن أفضل حال لتحديد المشاعر أو للتظاهر بالمشاعر حتى تقع هو حال اللاشيء، حال التبلد، فهو طور مناسب لتبديله إلى حال تختاره بنفسك وتحول إليه باطنك وكل ما حولك، وبرأيي أن المقدرة على تبديل مشاعرك متى ما أردت تجعل منك شخصًا مرنًا، ذا ذكاء عاطفي، قادرًا على التحكم بمشاعرك ومزاجك والخروج من أسوأ طاقاتك إلى أحسنها.

     “كشّر وقهقه” بيدك حالُك.

[ باقة البؤساء ]

نفسي تتأرجح كبهلوان على حبلٍ معلّق، نوبات من عدم الاتزان تزورني باستمرار، لا تنم عن الضعف ولكنها فطرة الإنسان.

لو نظرت إلى وجهي لقرأت اضطرابي، هذا الشحوب يحدثك عن قلق انتظاري، والهالتان تشيران لك إلى قلبي، ولو نظرت إلى غرفتي لوجدها تتكئ بجانبي على فراش نومي، كما لو كانت هناك لتعانقني ليلًا نهارًا، أما تكدس كتبي بلا ترتيب يخبرك عن حال أفكاري، وقوارير العطر المترامية في أرجاء الغرفة تدلك على وضع مشاعري.

يا لها من مشاعر كريمة، تصطحب معها في كل مرة “باقة البؤساء”.

تعريف “باقة البؤساء”: هي مجموعة مركبة من المشاعر المتناقصة والتي يسودها اللون الرمادي، والأفكار المتناقضة أيضًا، و.. حسنًا أيضًا تتلون بالرمادي، تجيء ثائرة في وجهي على الحياة، تصير لي انعكاسًا كالمرآة، لتبصرني مدى رتابتي وفتوري، وتصفعني صفعة توقظني ولو بعد حين، محملة برسالة تطلبني البحث عن السلام بداخلي وصنعه من حولي -فقط السلام-، لتنهال علي البركات، والمعجزات…

كم أنا بحاجة إلى صمتٍ يكمكم فاهي.

[ بلا إحساس ]

لا تجعل رضا الناس غاية فإنك لن تدركها مهما فعلت، كل إنسان كان قادرًا على الخروج من مآزقه ولو بعد حين اتركه ليعيش تجاربه وحده.

إن الناس معظمهم مصدر ألم، إن حميت قلبك منهم اغتصبوه، وإن رددته عنهم اغتالوه، وإن فتحت لهم أبوابه استقطعوا منه أجزاءه الواحد تلو الآخر ثم ألقوا ببقاياه البالية بين يديك ورحلوا.

هؤلاء قد يطلبون منك ترتيب فوضاهم وإن وقيتهم شر فوضاك لا يلحظون، ما دمتَ لم ترمم ما تهدّم من حيواتهم فأنت بالنسبة إليهم “بلا إحساس”، لا ينتبهون إلى أنهم لم يلقوا نظرة على حياتك ليطمئنوا على حالك.

تمتنع عن إطلاعهم على ركامك فيظنون أنه قد حال إلى العدم، لا يدركون كم الأوجاع القاطنة قلبك، لا يسمعون صرخات عقلك العاجزة عن إحداث فرق، ومهما فعلت فإنك لم تفعله ما لم تقله، ومهما قلت فإنك “قول بلا فعل”.

يتوقع منك البعض أن تقود حياتهم ما دمتَ تهتم لأمرهم، ومهما مددتَ يدك إليهم لا يلحظونها، أو قد يحسبونها تعاليًا منكَ عليهم، قد تقودهم أحيانًا إلى أبوابٍ مشرعة تستقبل كل مستقبل للنجاح، وكل مستعد للمحاولات، وكل من يتحمل الفشل مرارًا في سبيل النجاح أخيرًا، لكنهم إما أن يدركوا عونك ويتجاهلوه قابعين في بؤسهم وإما أن يفسروا أخذك بأيديهم نابعًا من اعتقادك بأنك تعلوهم علمًا أو نجاحًا أو شأنًا، وإن تركتهم ليسترشدوا بقلوبهم اتهموك بالتخلي عنهم.

الأمر يبدو كما لو أن كتفيك مرهقان، يستطيعان النهوض بنفسيهما لكنهما بقيا كما هما، يتألمان ويستنجدان بك، بصوت وبصمت، تدعمهما، تداويهما، تخفف عنهما ما أصابهما لكنهما يستمران باستشعار ضعفهما، ولا يحاولان مجرد المحاولة أن يتحركا، أن يقاوما الفتور، أن يعودا إلى الحياة، مكتفيين بالاستناد على ظهرك، وإن لم تفعل شيئًا لإنقاذهما مما هما فيه فأنت “بلا إحساس”.

وقلبك، قلبك كما لو كان منفصلًا عنك، غارقًا في نفسه، منشغلًا بمشاغله، وكلما نشدت قربه تخلى عنك، تخشى أن تلمه فتكون أيضًا “بلا إحساس”، تخشى أن تعاتبه فتظلمه وتصير في عينيك أنت أيضًا “بلا إحساس”، لذا تتركه للغياب.

إن البعض ما دمت لا تشكو لهم فلن يروك غارقًا، لن يروا الفوضى العارمة التي وجدت نفسك فيها دون انتباه ولم تستطع ترتيبها، لن يروا التحول الذي حدث لك خلف الستار، لن يدركوا مدى ضياعك، ومدى التيه الذي أصابك، مدى النقص العميق الذي حاولت أن تزرع فيه أملًا جديدًا وعجزت عن ذلك لكنك لم تمل المحاولة.

هم لا يرون بعمقٍ إلا أنفسهم، أما أنت فيشهدون الظاهر منك، ومهما حاولت تفسير الأمور تبقى المخطئ ويبقون على صواب.

[ خطوة مرتعشة ]

تسيطر عليك المخاوف لفترة ليست بالقصيرة
حتى تخالها نالت تمام النيل منك
لكنك تتفوق عليها مرة وتركلها بعيدًا عنك.

تستعيد قواك
تلملم شتاتك
تتمالك نفسك من جديد
ثم تقضي أيامك مرتاح البال
إنسانًا صلبًا لا تساوره الشكوك ولا يهدده القلق
والخوف في حياته قد صار من الماضي.
وما إن تتخذ أكبر خطواتك
حتى ترى الخوف قد بُعث يسابقك إلى الأهداف
يتربص بك طوال الطريق
ويذكرك بلحظات الضعف تلك
يذكرك بهشاشتك
يذكرك بأصل خلقتك
يذكرك بكل نقاط ضعفك
بدءًا من البكاء في وجه الحياة وليدًا
وحتى احتضان الأرض لك ميتًا.

[ أبله ]

كل شيء سينتهي، أعلم ذلك فلا شيء دائمٌ في هذا العالم..

لكن مرحلة التعلق بين شيئين، بين نقطتين، بين حالتين، بين فكرتين، مرحلة الانتظار، مرحلة التوقف عن النمو الإيجابي، مرحلة التوقف عن التقدم والتراجع في الوقت ذاته، هذه المرحلة المملة الكئيبة لا تُطاق يا حبيبي بمختلف تفاصيلها.

أما التجاهل، فأيًّا كان المقصد منه،

هذا التجاهل – كغلاف، كسطح، كقناع، كواجهة، كمقدمة، كستار – لظالمٌ جبّار !

يصيب قلبك بكدمات متلاحقة تنافس الانتظار، لتقف أمامهما كائنًا رثًّا ممزق الكساء مبعثر الشعر وملامحه -رغم فظاعة حاله- تكسوها البلاهة؛ مغيبًا عن الدنيا وكأنه لا يتربع في قلبها.

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑