[ أكثر من مجرد قهوة ]

عندما أفكر بالامتنان كواجب ينبغي تقديمه بحب لما يستحقه، أنتبه إلى كمية الأشياء والأشخاص والأماكن والأحداث التي لا ألقي لها بالًا ولا أعطيها حقها من الامتنان.. هذا هو نوع من القيمة التي نعطيها ما حولنا، أليست قمية الأشياء بيد شاهدها؟ فما هو المكان إن لم يكن له زوار؟ ما هو المقعد بدون جالس؟ ما هي القهوة بدون مرتشف؟ ما هو المال بدون تداول وسعي وربح وخسارة؟ لا شيء..

وهذا المكان بمختلف مستعمراته أو دكاكينه أو بقاعه يستحق الامتنان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ربما برع المسوق والراعي في جعله جزءًا من حيوات الكثيرين، ولكن حقا، كم شخص من رواد هذا المقهى وعملائه قد ربى وترعرع بين جدرانه؟ أعني -حتما- لا يتعدى ما أقضيه فيه من أيام ثمن العام ولكنه وجهتي الأولى في الكثير من الأحيان..

إن هجرت القراءة واحتجت للعودة إليها حزمت كتبي وارتحلت إلى إحدى زواياه، وإن فقدت المقدرة على كتابة نص نقبت عن أحرفي تحت ظله، وإن أردت أن ألزم نفسي بإنهاء شيء شرعت فيه ولم أتفانى في العمل عليه استنجدت به، استنجدت بكل ما قد أجده فيه من محاسن ومساوئ، فكم أخذ مني من نقود -ولن أكذب- لم أكن على استعداد لصرفها، وكم أصابني بحساسية طعام، فلستُ أقاوم بعضًا مما يقدم، وكم تسبب في صداعي، فبعض زواره -يا إلهي- مزعجين إلى أقصى حد، لكنه أعطاني الكثير، ودون قصد منه.

لقد شهدت مقاعده نموّي، ونمو شخصيتي معي، شهدت خدوش روحي وذراعيّ وهالات عيني، شهدت حسن مزاجي البادي في تجمّلي وسوء حالي البادي في عدم تنسيقي لشيء مما ألبسه.. أمسك بيدي لأنشر كتابي الأول، وشد عليها وأنا في خضم تكوين كتابي الثاني الذي طال مخاضه ولا أعرف بعد أيان ميلاده.. كم من أجرة قبضتها إثر أكواب القهوة التي صرفتها عليه، أعني أن الأمر مضحك فربما ابتعت من القهوة ما يساوي أجرة التدقيق قبل قبضها، ولم أربح شيئًا يذكر ولكني أشعر بالنشوة، فكأني أعيد تدوير مالي كل فصل من فصول السنة وأجمعه من جديد بكل سعادة..

بعض أسراري نسجته هنا، وبعضها دفنته هنا، وبعضها زرعت بذوره هنا لتكبر وتكبر حتى تظهر يومًا للعيان، ولو كتبتُ عن كل سارة من كل يوم قضت ربعه في إحدى بقاع هذا الوطن الافتراضي لكوّنت قبيلة من السارات لا تشبه أولهن آخرهن.

أسوأ ما في هذا الحيز الواسع أنه يظهر لي مدى انطوائيتي، ويؤكد لي أن معظم عمري قضيته وحيدة جدا، أعني جدا جدا.. وأفضل ما فيه أنه يظهر لي مدى اكتفائي بذاتي، ويؤكد لي أني وإن كنت جزءًا من الكل لا محالة إلا أني بالنسبة إلي وحدي الكل، وما الجزء مني إلا أنا أيضًا.

من الطرائف أنه كان سببًا في نعتي بوسواس عدم القدرة على العيش بلا قهوة، وكل من نعتي بذلك تجاوزه إلى القهوة المختصة، وأنا ما أزال لا أتخطى بساطة قهوته، أو أكتفي بقنينة ماء.. فالسر تعدى قهوته إلى حرصي على ألا أخسر أرشيف الذكريات اللامنتهي معه..

شهد هذا المكان عرقلتي في طفولتي، وخلطي بين البندق واللوز، وتدربي على ممارسة الفرنسية والإنجليزية، وهروبي من اضطهادات مجتمعية لم يكن ليتحملها سواي، وتوطيد العلاقة بوالدتي، ولف شرائط تخرجي، شهد لي مهارتي في الترجمة، وشهد عرق تماريني، شهد انكبابي على الكتب للتثقف مرةً ومرةً للدراسة، شهد تسللي من الجامعة بحثا عن شيء من الحرية والاعتداد بنفسي، وشهد استقلالي، استقلال وقتي على أقل تقدير، وبعد سنين من العشرة احتفلت فيه يوما ما بذكرى ميلادي الثاني والعشرين، ويبدو أن مقاعده هذه، ونباتاته، وكوبه الأبيض سيهنئاني ببلوغي التاسعة والعشرين من عمري في غضون أسبوعين.

لقد أعطاني هذا المكان درسًا، أن الأماكن أحيانًا ما تكون أوفى من الأشخاص، وأن اختياراتنا أحيانًا ما تكون مخلصة لنا أكثر من بعض الصدف، لقد علمني هذا المكان الكثير، وعلى رأس ذلك أن ثروتي تكمن في قلمي، في قدرتي العقلية، في قوة شخصيتي، فيني أنا.

ممتنة لهذا المكان، قد كانت قهوته أكثر من مجرد قهوة.

[ رسالتك لم تنتهِ بعد! ]

لا نختلف على كون العامل النفسي أهم العوامل لتخطي المصاعب أو التعايش مع ما يصعب تخطيه منها. وقد نظن دعم المجتمع القريب أو البعيد سبيلنا الوحيد لعلاج الروح وتحفيز النفس ولكنّه ظنًّا خاطئًا.

أجل، قد لا أكون أكثر الناس نصيبًا في البلاء ولله الحمد والمنة وبه أعوذ من شر البلاء، ولكني عشت ما يكفي من التجارب التي تضعني في محل قولي هذا:

ابحث عن شيء تحبه، لا تتعلق به كما لو لم يكن في حياتك ما يستحق الحب سواه، بل كن دائمًا على استعداد لممارسة ألف شيء محبب إلى قلبك، وافعل ما يشعرك ببعض اللذة والسعادة والراحة ولو كانت لحظية، فاللحظة الحلوة وراء الأخرى أملٌ وطوبة في جسر شاهق وواسع يخرجك بكل سلاسة من عنق الزجاجة.

كثيرًا ما تلهمني قصص من تبدو أحوالهم الأسوأ على الإطلاق، كمن لا يستطيع تحريك جزء فيه سوى عينيه ولكنه بأمر الله وبإصرار وعزيمة يسلك مسلك العباقرة. وكمن أصيب برصاصة في جمجمته وكان إخراجها محالًا وتمسك بحياته كإنسان طبيعي حتى الثمانين من عمره.

هذا النوع من القصص التي تقف على أطراف أصابعها عند حواف النهايات الحتمية تجعلني في كل مرة أستنكر جملة أكررها في أشد أوقاتي: “أهنئك لكونك ما زلتِ على قيد الحياة.”

في كتاب عقل جديد كامل قرأت عن نادٍ للضحك في الهند يخصص فيه أعضاؤه ساعة قهقهة وهم يطوفون جماعةً، وثمة قصة تحكي عن مريض سرطان نجا بأعجوبة من مرضه الخبيث دون أن يخضع لأي علاج سوى أنه كان لا يكف عن مشاهدة مسلسل كوميدي يحبه ويبهجه.

قد يعاني شخص ما من ألف مشكلة صحية أو ألف أزمة أخرى لكنه يعيش بما لديه حياة تستحق اسمها: “حياة” بمعنى الكلمة. ويستمر بالعطاء لنفسه والآخرين وبحب نفسه والآخرين واحترام نفسه بكل ما فيها من عيب والآخرين كيفما كانوا، شخص رغم ما أصابه من بلاء شديد لا ينظر إلا إلى النور وإن لمح الظلام.

بينما يقبع آخرون في الدرك الأسفل من الهم ولا يخرجون منه إلا بملاقاة حتفهم إثر جلطة/سكتة أو بانتحارهم من بعد يأس.

كلما مررت بهذه التذكرة نهضت أسير قُدمًا وإن اضطررت لجر ساقيَّ جرًّا، ورغم سقوطي المستمر لا أقبل النزول تحت السطح، أبحث عن أبسط الأسباب لأقاوم الحال من جديد، وأول حافز لي يكون: لو أن رسالتك تقف عند هذا الحد لما قضيتِ ثانية واحدة إضافية على قيد الحياة.

فلا أكتفي بتهنئة نفسي على الاستمرار في العيش بل أبذل قصارى الجهد من جديد.

[ تفاحة وأخواتُها ]

أريد أن أبدأ كتابة شيء، ينبع من أعماقي، شيء أستطيع الشعور به حقًّا، أو بمعنى آخر: شيء أشعر به قبل كتابته، وأثناءها وبعد الانتهاء منها. أكتب ما يجول في خاطري كما هو دون زيف. قد أجعله يرتدي حللًا جميلة، هندامًا أنيقًا، ولكني لا أغير هويته. أود ارتجال أفكاري كما هي، على الرغم من أن تفسير الفكرة قد يحتاج أحيانًا إلى تعقيدها بعض الشيء، وأود سرد مشاعري كما هي، على الرغم من أن الشعور ينبغي أن نبالغ في وصفه ليتضح.. لا لغرض، ولكني أشعر بالمعاني في داخلي سجينةً، تنتظر قوالبَ تتشكل فيها فتتحرر، تفك قيدي عنها.. ربما لا يهمني أن يكون لها مستقبلٌ ولكنّ الأهم أن أخلقها في الوجود، أن تكون موجودة، موجودة وحسب، طائرة كانت أم متجذرة الأصول، خفيفة كانت أم ثقيلة، لكنها موجودة، قد تتصل بأي شيء، أي شيء إلا العدم.

إن الكلمات بالنسبة إلي، كلماتي أنا، المعبرة عن مشاعري أنا وأفكاري أنا، هي لُبي، لبُّ قلبي، لبُّ جسدي، لبُّ كائني أنا. تخيلني كثمرة، كتفاحة حمراء أو أيًا كان لونها. تخيل أن تفرغ ما بي تمامًا دفعةً واحدة حتى لا يبقى مني إلا قشوري الملونة، لن أكون عندها ثمرة، بل مجرد قشرة، أما أنا فلستُ أرغب بإخراج الكلمات هكذا بقدر ما أود أن أقشر هذه الثمرة لأخرج التفاح بأكمله، يبدو واضحًا متجردًا ولكنه يمتلئ بالذرات، بالجزيئات التي تكونه.. على الرغم من أن لا شيء يحجب بين عينك وقلب هذه الثمرة إلا أنك لا تستطيع الوصول إلى بذورها دون قطمها أو قطعها إلى نصفين، أما أنا، فكما قلت، أود أن أخلق كلماتي في الوجود، ولا آبه بالمتلقي، فالمتلقي لن يستطيع معرفة طعم الثمرة، ولا تفاصيلها، ولا رائحتها، يكفيه أن ينظر إليها ويفهمها ويتخيلها كيفما شاء، تلك مهمته، ومهمتي أن أظهر كلماتي كيفما شئت.

استمر في القراءة “[ تفاحة وأخواتُها ]”

[ أيعقل أنك لا تعرف؟! ]

أسماء كبيرة كثيرة نجهلها، قبل العشرين وبعد المائة إن أدركناها، منها ما برق نجمه في سماء تثير اهتمامنا ولم نقرأ عنه يومًا أو لم نسمع عنه، ليس لذنب ارتكبناه ولكننا لم نُرزق بالعصمة من الجهل ولا بملكة تمام المعرفة.

رغم ذلك، يخجل الكثير منا من الاعتراف كقارئ بأنه لم يقرأ للكاتب الفلاني أو لم يسمع عن الفيلسوف الفلاني أو كإعلامي أنه لم يرَ وجه الإعلامي القدير الفلاني من قبل، أو كطبّاخ أنه لم يسمع بالأكلة الشعبية الفلانية يومًا، وكأنه مرغم على معرفة كل صغيرة وكبيرة، كل منحط وشامخ، كل برّاق ومعتم.

صار من النادر أن يعترف الفرد بجهله أمام المجتمع، حتى إذا ما مات شهير ما في مجاله ادعى معرفته وأصبح يردد إنجازاته ويتحسر على موته شابًّا أو مريضًا أو حتى نائمًا وتبكيه أحرفه في ذكرى وفاته تارة وذكرى ميلاده تارة أخرى، وكأنه لم يتعرف عليه صدفة من خلال خبر “غير عاجل” عن وفاته.

أجل، أنا أجهل الكثير وكلما تعلمت شيئًا أدركت جهلي أضعافه، فلا تستنكر علي أو على غيري الجهل بما تعرف.

“هل يعقل أنك كاتبة لا تعرف هذا النوع من القصص؟ هل يعقل أنك تعلمتِ الفرنسية ولا تعرفين تاريخ فرنسا جيدًا؟ هل يعقل أنك تقرئين الكتب ولم تقرئي يومًا لطه حسين؟ هل يعقل أنك في العام 2021م ولا تطّلعين على السياسة؟ هل يعقل أنك مدققة لغوية ولا تعرفين معنى الكلمة الفلانية؟”

أجل، يُعقل! فعقلي لن يعيش ما يكفيه لإدراك كُل شيء تهواه نفسي أو تبغضه، وكذا هو حالك وحال هذه وذلك، فلا تدّعِ ما لستَ عليه، وعِش الحياة معنا ببساطة.

[ أنت مقيد، لستَ حرًّا! ]

PHOTO @ VICTORSTOCK.COM

بقدر ما يكون الإنسان في طبيعته حرا – بالمعنى الشائع- يظل كائنا تقيده عناصر كثيرة مكملة لوجوده في هذا الكون.

خُلق الإنسان حرا غير مملوكا، وامتلاكه كان حالة خاصة مستثناة من طبيعة ما فطر عليه، فقد فُطر ليكون حرا، هذه نظرية ولا تحتاج لتجارب أو براهين تحولها من فرضية إلى نظرية، لكن حرية الإنسان معقدة، معقدة جدا، مليئة بالقيود. أفعاله ليست محصنة من المؤثرات، ولم يختر أفكاره باستقلالية تامة، وحتى مشاعره لم يخترها بإرادة مطلقة وعناية تامة دون تدخل أطراف أخرى، وقدره مقيد على الأقل بظهور الناس في حياته واختفائهم منها. إذا فالمفهوم الحقيقي للحرية لا ينطبق على الإنسان عندما نقول عنه إنه “وُلد حرا”، ولا أحد يستطيع إعطائه الحق التام في أن يكون حرًّا “ككائن إنسان بشري عاقل ومنتج ومعمّر ومستعمر وخلاق”.

إن الحرية المقصودةَ عامةً -بالرغم من تفاوت نسبها بحسب الناس ومفاهيمهم وآرائهم- تصب كلها داخل إطار ضيق، ضيق جدا، وإن كان إطار الحرية ضيقا فهذا تناقضا للمعنى العام للحرية، إذ إن الحصر والتحديد والتقليل والتمييز إخوان القيود، والقيود أعداء الحرية لغة.

في مقال سابق من كتابي قلت إن قرارات الإنسان تحددها العديد من الأطراف. صحيح أن أرائي اليوم تتعارض مع نصف ما كتبته في ذاك المقال، لكني ما زلت أرى قرارات الإنسان -فعلا- تحكمها عدة عوامل داخلية (أي: فيه ويمتلكها وتنتمي إليه)، وخارجية (أي: منوطة بالحال التي كان عليها بتفاصيلها من عناصر حسية ومعنوية)، وهذه نقطة أولى.

أما النقطة الثانية في الحرية فهي أننا لا نختلف على اختلافنا في تحديد ملامح استحقاقية الإنسان للحرية؛ البعض يرى أن لها حدودا تؤخذ كمسلمات فلا يُمس الدين ولا تُرتكب محظوراته أو لا تُمس الدولة ولا تُخالف قوانينها، أو أن حريته تقف عند الآخرين فكل ما يؤذيهم أو “يؤثر على حريتهم المستقلة عنه تماما” هو ممنوع منعًا باتا، والبعض يرى أن من حرية الإنسان أن يختار ما إذا يحترم حرية الآخرين أو لا يحترمها وأن هذا أيضا يدخل ضمن حرية اختياره.

بعيدا عن هاتين النقطتين، إن أكثر إنسانا حرا على وجه المعمورة هو في الأصل مقيد بالقوانين الكونية، بأنواعها، والجميع يخضع لها وبنسب غير متفاوتة، إن مقدار الحرية -مهما بدت مطلقة- تحدها عناصر كونية.

أحد تلك القيود هي الزمن. إن الزمن حاكم حازم لا يتزعزع عن قراراته، ولا مفر من حكمه، قد تتحايل عليه، وقد تتفاهم معه، وقد تعقد صلحا وعقودا مؤقتة بينك وبينه لكنك لا تملك حق التعدي عليه أو تجاهله. إنك مرغم على مسايرته بطريقة لا تتعارض مع أهدافك ورغباتك واختياراتك في الحياة. يشبه الزمن السجن التأديبي ولكنه سجنا دائما حتى الممات، وهو ليس بشعا بل هو خير معلم، ففي كل يوم منه تتعايش فيه معه يعلمك مزيدا من الانضباط -إن كنت حقا تنوي التعلم منه- وإلا فستكون عاقبتك غير محمودة ولا محسودة.

أما القيد الثاني فهو القدرات الإنسانية. إن قدرات الإنسان محدودة بلا شك، محدودة في حدود ” الطبيعي”، ولا شك في أن الكثيرين لا يكتشفون كل قدراتهم ولا يستفيدون منها على أكمل وجه ولا يثقون فيها، وهناك الكثير مما لم ينتبهوا إليه في أنفسهم، وربما أيضا تكون هناك قدرات لم يكتشفها العلم بعد في البشرية، لكنها بصفة عامة -مقارنة بعظمة كل شيء آخر في الكون أو على الأقل مقارنة بما قد يخلقه خيال الإنسان- هي قدرات محدودة. إن الجميل في هذا القيد أنه يحفز الإنسان للابتكار، لتسهيل الحصول على حياة أقرب لخياله من الواقع المنقض، إن محدودية القدرات أهم حافز مطور للحضارة البشرية والعلم، فحين لم يستطع الإنسان الطيران اخترع الطائرة، وعندما أدرك أنه لا يستطيع سباحةً قطع مسافات طويلة في البحار والمحيطات مواجها كل التقلبات التي قد تعترض طريقه، صنع القوارب وأخذ يطورها حتى صنع منها منتجعات ووسائل ترفيهية مذهلة! ولعجزه عن السيطرة على انتشار الأمراض المعدية أو حالات التشوهات الخلقية -مثلا- اخترع اللقاح ليحد من تفاقم المشكلة الأولى وطور علمه ليتحكم بالجينات متفاديًا المشكلة الثانية، ومثل هذه الأمثلة لا تحصى.

والقيد الثالث هو المساحة أو البيئة، بيئة الإنسان السكنية محدودة، ولست أتحدث عن منزله أو قريته أو موطنه، بل أعني الأرض واليابسة، فلكي يستطيع أن يمارس حريته “المؤطرة والمزعومة” ينبغي عليه أن يعيشها حيث يستطيع تنفس خليط غازات مناسبًا بتركيباته ونسب عناصره، وحيث يتقبل جسده درجة الحرارة المحيطة، وحيث يجد تناغما مع باقي المخلوقات ليتغذى عليها ولتحافظ على غذائه وسلامته؛ يحتاج أن يغذي جسده بمعادن وفيتامينات معينة، لذا يحرص على توفر النبتة المعينة، والتي ينبغي أن يحميها من كائنات أخرى تتغذى عليها وتتلفها، فيحرص على عدم انقراض كائنات تلتهم تلك الكائنات التي قد تقضي على النبتة التي يحتاج إلى مكوناتها الغذائية! وهو لشيء من شأنه أن يعلم الإنسان الحفاظ على ممتلكاته وما عنده وأن يسعى للحصول على ما يحتاج وأن يحترم الحدود -على الأقل تلك التي يضعها هو لنفسه.

وهناك قيد رابع وهو عمره المستقل، لا أقصد العمر الزمني بل أقصد حياته المستقلة المبدوءة بولادة والمنتهية بوفاة، استقلالية البداية والنهاية وحدها تعلمه أنه مستقل في حياته، أن له مسؤولياته التي عليه أن يتحملها وحده في معظم أوقاته حتى وإن أعانه آخرون، بداية من أن يخطو صغيرًا، وحتى أن يختار الاستمرار على قيد الحياة إلى أن يختار موتُه وجهًا أم الانتحار، واحسب -بينهما- كمية المسؤوليات التي علمه هذا القيد -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- أن يتحملها ويلتزم بها.

انظر إلى هذا التعقيد الجميل في حياة الإنسان، إنه تعقيد، ولكنه يلائمه، يكمله، بقدر ما يبدو مقيدا له إلا أنه يهيئ له بيئة متكاملة تناسب طبيعته التي خلق عليها. إن الزمن يضبط نفسه، وطبيعة القدرات تحفزه، والمساحة تدربه على الحفاظ على ما بين يديه، وقدره يحمّله مسؤولية حياته.

ليست هذه العوامل الكونية الأربعة وحدها ما يقيد حرية الإنسان، بل هناك الكثير غيرها، لكن هذه على وجه الخصوص علمتني ألا يأخذني الغرور بحريتي “المطلقة” كإنسان، أو بما أسميه “حرية” حتى وإن كانت محددة وفق مبادئ اخترتها بنفسي.

إن الحياة خير معلم، وإنها عبارة ليست مبتذلة أبدًا، فكلما تأملت الحياة وجدت معنى آخر لكونها “معلما لنا”، معنى أعمق، معنى مندثر أو متروك في الركن البعيد وقد تراكم عليه غبار الزمن ولم ينفضه أحد عنه.

هنا وقفة امتنان… للحياة، وقيودها.

[ المراهقة كذبة ]

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎شاهدت مقطعًا لشاب يعظ الجميع بترك الشهوات وقد أشاد به الكثير، ووجدت فيما ذكر عدة نقاط مثيرة للاهتمام وشعرت بالحاجة لإبداء رأيي بها ونقدها والتعليق عليها، لكني سأكتفي بالتعليق على بضع نقاط أراها الأهم.

يقول الشاب في مقطعه:

“ما من شيء اسمه فترة مراهقة في الإسلام، بل هناك مرحلتان فقط: طفل ثم رجل، أو طفل ثم بالغ.”

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎بالنسبة إلي، لا أعتب على الشاب، لأنه -كما يبدو- صغيرًا، ولأن طريقة تحليله أظهرت ذكاءه بما وصله من علم، لكني أود هنا أن أطرح سؤالًا على كل من يؤيد كلامه:

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎– هل تجده أمرًا منطقيًّا، أن يُسامَح الشخص على ذنب اقترفه يوم السبت -مثلًا- لأنه ما زال طفلًا، ثم يُحاسَب على تكرار الذنب يوم الأحد لأنه صار بالغًا/رجلًا؟

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أعني، أن من يؤمن بالله يعلم أنه “حكيم”، ويعلم أنه -سبحانه- حرّم الظلم على نفسه، ولأن الله خلق الإنسان وتكوينه وتفاصيله “وطريقة عمله” فهو الخبير العليم بضرورة تدرج الإنسان، والتدرج معه في كل شيء تقريبًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎إذا كانت الشمس تستغرق نحو 20 دقيقة حتى تغرب تمامًا كي لا يتضرر البصر ولا الشجر… إلخ، فهل يعقل أن كل ما يحتاجه الإنسان ليتحول من عصفور في الجنة إلى حطب لجهنم هو علامة بلوغ واحدة؟ هل كل ما يلزمه ليكون مسؤولا عن كل شيء يقوله أو يفعله أو يؤمن به هو لحظة واحد يدرك فيها أنه بلغ؟

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أحزنني قول آخر للشاب في مقطعه معناه أن مرحلة المراهقة هي كذبة علمية، غرضها الأساسي انخراط هذه الفئة العمرية في الشهوات بلا رقيب ولا حسيب، وأنها كذبة تضر بالمسلمين.

إن الإيمان نظرية المؤامرة هذه، مشكلة عظيمة!
ومعارضة كل ما يثبت علميا باسم الدين، لهو شيء فظيع!

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎مؤسف أن يؤمن شاب في هذا العمر بهذه الفكرة ويقول إن العلماء يدّعون وجود مرحلة عمرية كسن المراهقة، فقط لكي يشغلوا جيلنا في البرامج الترفيهية (تيك توك والسناب شات ونحوهما) فلا يُنتج شيئًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎بعيدًا عن إفراط فئة كبيرة من المراهقين وغيرهم في استخدام الألعاب ومواقع التواصل، ليس المسلمون وحدهم من يستخدم هذه التقنيات الحديثة، لسنا وحدنا من وصل إليه التطور بسلبياته وإيجابياته، ليس المسلم وحده من أطلَق عليه العلم “مراهقًا” في مرحلة ما.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أما الضرر من ضياع الجيل الجديد ليس حصرًا على المراهقين، بل إنه ضرر يصل لكل الفئات العمرية إن ضاعت شريحة كبيرة كالمراهقين، لأن الفئة العمرية هذه هي أساس المستقبل البشري في كل عصر، إما في استكمال التطوير العلمي والتطور الحضاري بأنواعه أو في تربية من يقوم على ذلك مستقبلًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎محزن جدا ومخجل ومعيب أنه كلما نصح طفل أو شاب صغير المجتمع نصيحة متبعة باستشهاد “قال الله وقال الرسول”، هلل الجميع وكبّر وأثنى على حكمته وعقله.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎ونعم بالله تعالى ونعم برسوله الكريم، ولكن قبل الإشادة بكلام الشاب أو الاعتقاد به، لمَ لا تتفكرون فيه قليلًا {يَا أُولِي الأَلبَاب

[ أنا قوي.. أنا قوي! ]

دائمًا ما أفكر في الفئات التي تسعى لإثارة الجدل وتصنف نفسها في تيارات وتحت مسميات معينة، وأصل لتحليل أنها لو لم تكن تشعر بضعفها لما فعلت كل هذه الضجة.


بمعنى أن القوي لا يحتاج لأن يردد “أنا قوي، أنا قوي”، بينما الضعيف ليقوى يردد ذلك لنفسه، وإن لم يكن قادرًا على التطور والتخلص من ضعفه أقحم الناس كلهم وردد على مسامعهم: ” أنا قوي، أنا قوي.”


يطول شرح هذا الأمر ويصعب حصر أمثلته والمعنيين فيه، لذا ما زلت لا أشعر بأني على استعداد لطرح شرح مطول عنه وتفسيره، لاعتقادي بأن المعنى المقصود لن يصل إلا لبضعة أفراد، وأنه قد يُرى كهجوم على جنس أو عرق أو دين.

بالمناسبة، أذكر محاضرة للدكتور عبدالله الغذامي حضرتها منذ عام تقريبًا حكى فيها عن الأخوية النسوية، وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذا المصطلح: “الأخوية”، فسر عندها الدكتور الأخوية النسوية بأن المرأة قد تكون عدوة للمرأة.. بعيدًا عن صحة ذلك من عدمها، بدأت أسأل نفسي منذ تلك الليلة: يا ترى من ذا الذي قد يعادي شبيهه؟ وما أسبابه؟


حتى اليوم، وجدت أن معاداة المتشابهين لبعضهم غالبًا ما تحصل في الأقليات أو الفئات المضطهدة من المجتمع أو غيرها، أي أن الفئات الأقل سلطة في المجتمع قد تخلق العداوة بين أفرادها بشكل أكبر من الفئات الأكبر سلطة، لكنها في المواقف الشبيهة بالغربة قد تكون صديقة جدا.

ليست العداوة فقط ما يمكن ملاحظته في هذه الحالة، بل أيضًا قلّة التميّز، بمعنى أنه كلما كان لفئة ما سلطة أكبر من الفئات الأخرى، كان تنوعها أكبر، فتجد أفرادها مختلفين من منطقة لأخرى ومن دولة لأخرى بينما الفئات الصغيرة الأقل سلطة أو الأقليات يتشابه أفرادها في أي مكان على وجه الأرض إلى حد كبير جدا في العادات والطباع والأفكار.


نسبة كبيرة مما سبق قد يكون باطلًا أو أن غيري يلحظ نقيضه، ربما غفلت عن جزء كبير من الصورة ولم ألحظه قط وبعد، وقد أكون أدركته جيدًا.. على كل حال، هذا الأمر مثير للاهتمام.. أليس كذلك؟