[ الفلسفة طريق الإلحاد ]


لطالما كانت الفلسفة موضوعًا مثيرًا للجدل، وما زال هناك إلى اليوم من يعتقد أن لا فائدة منها، والاتهامات الملصقة بالفلسفة أو مفهومها كثيرة، أشهرها أنها سبيل للزندقة.

هل الفلسفة طريق الإلحاد ؟

طُرح هذا السؤال في أحد مواقع التواصل الاجتماعي ووجدت أن الإجابة عليه إن كانت مختصرة فتحتاج إلى شرح عدة نقاط للوصول إلى خلاصة واضحة قد تُختصر في جملة واحدة.

بدايةً، لا أعتقد أن أي نوع من أنواع العلوم الإنسانية أو الطبيعية هو بذاته طريق إلى الإلحاد، فالوصف هذا يشير إلى أن قراءة كتاب واحد في الفلسفة هو خطوة أولى باتجاه الإلحاد. لذا سأغير صيغة السؤال وأسأل:

هل الفلسفة تحيد المرء عن اعتقاده الديني؟

بمعنى هل اطلاع الملحد على الفلسفة يقوده للإيمان بوجود الخالق؟ هل اطلاع المؤمن على الفلسفة يقوده إلى إنكار وجود الخالق؟ وهكذا.

ما معنى الفلسفة؟

في تدوينة سابقة بعنوان العلاقة بين الفلسفة والحكمة بحثًا لغويا بسيطًا تطرقت فيه إلى معنى كلمة الفلسفة. باختصار هذا المصطلح يعني في الأصل حب الحكمة، وللحكمة أربعة معانٍ، العلم والعلة والعدل والكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه، ووضحت عندها أن العلم والعلة فقط يتوافقان مع معنى الفلسفة، لكني سآخذ هنا العدل أيضًا بعين الاعتبار. بتعبيري عن العلم بالعلم والعلة بالبحث عن الأسباب والعدل بالقانون.

على افتراض أن الفلسفة تعني حب العلم أو حب القانون أو حب البحث عن الأسباب، أرى أن نسبة تأثير الفلسفة على اعتقاد الفرد الديني تعادل نسبة تأثير كل من العلم والقانون والبحث عن الأسباب عليه، ولكي يؤثر كل مما سبق على اعتقاد الفرد الديني بطريقة تحيده عنه يشترط وجود أربعة عوامل:

1- الشك:

يجب أن يوضع الشك بعين الاعتبار، فلا يمكن لأي شيء يقرأه الإنسان أو يسمعه أو يراه أن يؤثر على اعتقاده الديني ما لم تكن في أعماقه نسبة شك تجاه هذا المعتقد، فالشخص المؤمن تمامًا بفكرة ما يبعد جدا عن الميل عنها.

2- التعمق:

إن الجانب الديني لدى الإنسان فكريًّا وروحانيًّا عميقٌ جدا، يرتبط به ارتباطًا قويًّا يحيل على الأفكار المختصرة فكّه. لذا فلا يمكن أن يمس اعتقاد الإنسان الديني مجرد الاطلاع على الفلسفة أو العلم أو القانون أو الأسباب.

لكي تؤثر فكرة ما على جانب متأصل في الإنسان -كمعتقداته الدينية- عليها أن تكون عميقة، أما الإطلاع فلا يوصل ولا يكوّن أفكارًا عميقة من شأنها أن تحيد الإنسان عن اعتقاده.

3- معارضة المعتقد:

لكي يؤثر فكر ما على اعتقاد الإنسان الديني، لابد وأن يكون معارضًا ولو بنسبة بسيطة لمعتقده، يختلف إيمان الفرد منا عن إيمان الآخر حتى وإن كان على نفس المذهب، ونسبة الشك إن تشابهت فقد تختلف في نقطة الشك، قد يؤمن مسلم ما إيمانًا تامًا بعقيدته لكنه يشك ببعض الأمور الفقهية، وآخر يشك بالأمور الفقهية المتواترة غير المنصوص عليها وآخر يشك بالأمور الفقهية المنصوص عليها في الأحاديث لا في القرآن، وآخر قد يؤمن بكل ما وصله من الكتاب وعن الرسول ولكنه يحمل نسبة شك تجاه وجود حساب بعد الموت. كل منا يختلف في درجة إيمانه ونسبة شكه وتفاصيل معتقداته الدينية عن الآخر، ولكي تؤثر فكرة عميقة ما على اعتقاد أي شخص يجب عليها -بوجود نسبة الشك- أن تلامس ما يعتقده، فقد يتأثر المسلم المعتقد تمامًا بإسلامه غير أنه يشك بنسبة ما في موضوع الحياة الآخرة، بمذهب فلسفي يغذي شكه في الحياة الآخرة.

4- نزعة التطرف:

إن مظاهر التطرف كثيرة، منها التطرف الديني والتطرف السياسي وغيرها، ودرجاتها تختلف، فقد تصل إلى معاداة كل مخالف في الاعتقاد -كما هو حال الإرهابيين- وقد لا تصل إلى ذلك وتكتفي بجوهر وأساس التطرف ألا وهو أن لا يؤمن الشخص إلا باعتقاد واحد ولا يقبل سماع اعتقاد آخر ولا يأخذ أي اعتقاد مخالف بعين الاعتبار.

لكي يؤثر تعمق الإنسان في الفلسفة على اعتقاده الديني لابد من وجود نزعة التطرف لديه، ولا أقصد هنا أن يكون مطرفًا في معتقده، أي لا أقصد بالضرورة أن يكون -مثلًا- السني متطرفًا أو الكاثوليكي متطرفًا أو اللاديني متطرفًا، بل أقصد وجود الميل إلى التطرف لدى هذا الإنسان، أيًّا كان معتقده الديني.

بمجرد أن تكون لدى الفرد نزعة التطرف، فإن تعمقه فيما يخالف اعتقاده الديني من فلسفة (أو علم أو قانون أو…) تعمّقًا تطرفيا قد يقوده إلى الميل عن اعتقاده، والسبب في ذلك أنه بمجرد أن يجد ما يغذي شكه في قانون علمي أو تيار فلسفي قد يعجب بالأفكار الأخرى التابعة لهذا العلم أو لهذه الفلسفة أيًّا كانت، ويتطرف في تياره الجديد فلا يقبل النظر في غيره ثم يبدأ بقبول كل ما فيه حتى يتغير ربما اعتقاده الأساسي.

لذا إن كان هناك عالم أحياء مهتمًّا بعلم الآثار، مؤمن بالخالق وبديانة سماوية ولكنه يشك في قصة خلق آدم، قد يؤدي تعمقه إلى الإيمان بنظرية التطور لدارون ثم إن تطرف في ذلك قد يؤثر ذلك تدريجيا على إيمانه بوجود خالق وميله إلى التيار الطبائعي أو الصدفي. وإذا كان هناك طبيب مهتم بعلم الأمراض مثلًا، لاأدريّ المذهب، واكتشف أو واجه ما يشير إلى وجود إله، فقد يميل عن اعتقاده الديني ويؤمن بوجود الخالق. والأمثلة لا حصر لها.

خلاصة القول، إن الفلسفة وغيرها لا احتمالية لتأثيرها على اعتقاد الإنسان الديني إلا بوجود عوامل أربعة: الشك، والتعمق، ومعارضة الاعتقاد، ونزعة التطرف.

لذا فلن تخرج الفلسفة الإنسان عن اعتقاده الديني إلا إذا كانت لديه نسبة من الشك في معتقده وتعمق تعمقًا تطرفيًّا فيما يلامسه ويعارض اعتقاده ولكنه يغذي شكه بطريقة ما.

[ مصدر غير موثوق ]

     من المعروف أن الترجمة مظهرٌ من مظاهر تحضر الشعوب، والاختلاف الثقافي بأنواعه من مظاهر الحضارة الإنسانية، وما أؤمن به هو أن المترجم الذي لا يتقبل اختلاف أفكار المؤلفين -الذين يترجم لهم نصوصهم- عن أفكاره الخاص فليس إلا ثغرة حضارية، وطفرة تاريخية ضارة.
     إنه لمن المؤسف أحيانًا أن يصيغ بعض المترجمين ترجماتهم بما يتناسب مع اعتقاداتهم واعتقادات الجمهور المتلقي، دون أن يأبهوا بحقوق المؤلف ودون أن يحترموا فكره وإيمانه ومعتقداته أو على الأقل المعنى الذي يود إيصاله للقارئ أو المشاهد أو السامع. أي أن هذه الفئة من المترجمين تحرص حرصًا لا جدوى منه فتقدم به اختيار الأفكار المقبولة شخصيا واجتماعيًّا على الأمانة المهنية وحفظ الحقوق الفكرية.
     من المقبول جدا أن يراعي المترجم حساسية المتلقي تجاه الألفاظ البذيئة فيهذب ألفاظ النص الأصلي، لا أجد في ذلك عيبًا على الرغم من وجود علامة ترقيم تفيد حذف الكلمة تشبه في ذلك الصوت الحاجب للألفاظ البذيئة في الأعمال المصورة أو الأغاني المسجلة. لكن انتقادي للمترجم الذي يتعمد إخفاء معتقد المؤلف وتحوير معانيه إلى ما يناسب معتقدات الفئة المتلقية أو ربما معتقداته الشخصية كمترجم.
     في أحد البرامج التلفزيونية الكوميدية تتساءل شخصية مسيحية ملتزمة -باللغة الإنجليزية- عما إذا كان التحليق بالمنطاد في السماء يوصلها إلى الجنة، تُرجمت عبارتها إلى العربية هكذا: “هل من الممكن أن توصلنا السماء إلى السماء؟” فكانت نتيجة حرص المترجم سيئة جدًّا شكلًا ومضمونًا.
     وفي بعض الأعمال الأخرى كالكتب بصفة عامة وكتب المتنور “أوشو” بصفة خاصة، تجد المترجم العربي الذي يؤمن بأن اسم إلهه “الله”، يغير لفظ “الإله” إلى لفظ “الله” -بطريقة أجدها أنانية جدا وغير ذكية أبدًا- رغم أن المؤلفين -إن كانوا متدينين- ربما هندوس أو مجوس أو سيخيون أو حتى يعبدون إلهة أنثى، ومن يقرأ لأوشو -مثلًا- ممن يقدسون الله يعي تمامًا أن هذا الاستبدال لا يحفظ الدين من أن يجرح بل إنه يسيء إلى قدسية الله هنا.
     لا أعتقد أن أحدًا يخفى عليه اليوم ما وصلنا إليه -كمجتمعات- من الوعي العالي والحرية في القدرة على اختيار معتقداتنا وأفكارنا دون تدخل الغير، والحفاظ عليها دون تأثير من الآخرين، فإن أراد اليوم مؤمن أن يلحد فسيلحد بإقتناع تام أنه اختار الصواب، وإن أراد ملحد أن يؤمن فسيؤمن أيضًا باقتناع تام أنه اختار الصواب، فلا حاجة للمترجم من أن يخشى على أحدهما من أن ينحرف عن سراط مستقيم.
     ربما في السياسة قد يحتال المترجم على الأحزاب الأخرى بالتحريف لمصالح سياسية، لكن تحريف معاني النصوص العلمية الطبيعية والإنسانية لتناسب المتلقي وما يعتقده ليس إلا خطأ، وربما دل على رجعية المترجم وتحجره الفكري وتطرفه أحيانًا، كما أن نصوص الأدب بأنواعه بمثابة كنز ثقافي لكل شعب وهوية له وللفرد الواحد المؤلف للنتاج الأدبي، لذا لا يحق أبدًا للمترجم العبث في معانيها.
     إن العمل أمانة، وإن الترجمة من أكثر الأعمال التي تتطلب من صاحبها أن يكون أمينًا، فما الترجمة إلا طريقة لإيصال الفكرة للمتلقي من لغة لا يفهمها، أي أن المترجم غالبا ما يكون المصدر الوحيد لإدراك فكرة ما أو إيصال رسالة ما أو معلومة ما، فإن لم تكن مترجمًا أمينًا فأنت مصدر غير موثوق.
     إن كنتَ مترجمًا لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية الأمانة المهنية في ترجمته ولا يستطيع حفظ الحقوق الفكرية للمؤلف فاترك الترجمة وابحث عن حرفة أخرى وتخصص آخر يتطلب الحيادية والدبلوماسية ولا يحتاج إلى الموضوعية والشجاعة.

[ الصواب أم الصواب؟ ]

يحدث أن يكون من الإنسانية تجاه الآخرين أن تتجاهل بعض الأمور، حتى لا تلحق بهم الضرر ولو كان طفيفًا، بينما تجاهلها لا يمت لإنسانيتك تجاه نفسك بصلةٍ، بل يؤذيك ربما أشد الأذى.

إن صراعات الإنسان الداخلية أكثر تعقيدًا من حصرها في صراعات المتضادات كالحق والباطل مثلًا. بل إن التناقض في الإنسان لا يمكن أن يكون فقط متمثلًا في المعكوسات، فقد تتناقض فيه المتشابهات وتتصارع. تلك هي شدة التناقض والتعقيد في الإنسان. فإن كان هناك على هذه المعمورة كائن خُلق للتناقض فلن يكون إلا الإنسان. فُطِرَ الإنسان على التناقض، وأُكرِه على التعامل معه.

خذ على سبيل المثال الصراع بين الحق والحق الآخر، الصراع بين الحكمتين، بين العدلين، بين الصوابين.

قد يقلبك كلا من جانبك الحساس ومستوى نضجك بين يديهما كما يقلب اللاعب الكرة بين قدميه، فتصيبك حيرة كبيرة فيما إذا كان عليك أن تظهر ما بباطن القلب وتعبر عن انزعاجك أم تحتفظ بذلك لنفسك وتتجاهل؛ أي هل عليك أن تتصرف كبالغ راشد وتترك انفعالات الطفل بداخلك أم ينبغي التصرف كبالغ راشد بالالتفات لاحتياجات الطفل بداخلك؟

أحيانًا ما يكون كلا الخيارين صائبين، كلاهما على حد سواء، لكن أحدهما حتمًا سيشعرك بالغباء، في حين أن لا مفر من خلق الآخر لشعورك بالذنب.

[ اتزن ]

     العقل هو ذاك الخط المستقيم على شاشة جهاز تخطيط القلب والمشاعر هي تلك الموجات بقممها وقيعانها، في استقامة الخط موت محتم وفي خلوه التام من الاستقامة خلل خطير.

     لا يمكن العيش دون أن يصاحب عقلك تفاعلات عاطفية، وعاطفتك الدائمة المهمِّشة للحكمة ستجعل من حياتك فَوضى تستحيل السيطرة عليها.

     أن تعيش كإنسان، أي أن تعيش على فطرةٍ ميزتك بالفكر عن باقي المخلوقات وبالإحساس عن باقي المواد.

اتّزن !

     عليك أن تدرك التناقضات في الحياة، أن تلحظ الأضداد، لتتقبلها، وتتقلب معها متى ما شئت، وتشعر بها، وتتقمصها، وتقاوم تحولاتها عند الحاجة، ثم عليك أن تفهم الحد الفاصل بين كل شقين، وتحاول أن تجمع بين الوجهين، لتدرك أخيرًا أن التناقضات ولدت من جذرٍ واحد، يجعلها في نقطة ما عنصرًا واحدًا.

     عليك أن تدرك أن التناقض وُجد قبل الإنسان لكن الإنسان سلط الضوء عليه لنفسه وصنّفه في فئات، وأن تدرك أن الإنسان معرض للخطأ بقدر مقدرته على إدراك الصواب.

     عليك أن تعود إلى التناقضات في شخصك، الأضداد العامة والمتقابلات الخاصة، وتتساءل عما إذا كانت قد وجدت من قبل أن تلحظها أنت أم أنك الذي أوجدتها في داخلك.

     عندما تنتبه للتناقض بداخلك ستعلم يقينًا أنك الجذر الذي نبع منه كل ضدين فيك، عندها ستنتبه إلى مدى ترابط مشاعرك بأفكارك وأن لا شعور بلا فكرة، وأن الشعور محفزك للفكرة، وأن نصفك المظلم خلق من نصفك المضيء وأن نورك ينبعث من عتمتك، وأنك لن تكون إلا بكلا الأمرين معًا: العقل والعاطفة.

فلتتزن!

[ لا شأن لك ]

     نحن اليوم في خضم حروب جديدة ليست سوى امتداد لما سبق. حروب سياسية، أهلية، فكرية، إعلامية. حروب لا تأخذ حتى أنفاسها لتعود، بل تستمر في الانتشار دون انقطاع بشتى الطرق وفي كل مكان، حتى إذا ما خسرت مكانًا كانت قد ضمنت الضعف قبل خسارته.

     يؤسفنا أن تصدر بعض الأفعال التافهة من بعض الأفراد – بقصد أو بغير قصد – التي بدورها تعزز هذه الحروب، وتطور المشاحنات بين الشعوب أو الجماعات.

     أكبر لبس يحدث لبعض أولئك الأفراد هو عندما يظنون أنهم بشهرتهم أو بكونهم معروفين لدى الجماعات الأخرى، وربما محبوبين منها، صار لهم الحق في التدخل في شؤونهم، فتتدخل الشعوب في شؤون بعضها بعضًا.

     شهدنا مثلًا في الآونة الأخيرة تطفل بعض الدول المجاورة على قرارات دولتنا السعودية باسم الغيرة على الأرض، باسم الحب للشعب، باسم الدين والحرمين الشريفين. يطالبون بالوسطية الفكرية ويحاربونها وقتما حلّت، ينعتون أرضك بالرجعية والتخلف، وتصعقهم مواكبتها لتطورهم أو حتى تقدمها عليهم، يعيشون الترفيه في بلادهم، ويستنكرونه عليك، أو يعيشون معنا وبيننا، ويسكنون في بقاعنا، ويؤاخوننا ونؤاخيهم، ولا نكف عن سماع «في بلدي مسموح بما منعتموه»، أو «رغم هذا التقدم لمَ لا نرى الشيء الفلاني؟»، وفور ما يجدون بلدك في تقدم مفاجئ عظيم استنكروه: «كنتم في حال أفضل!».

     لن أتحدث هنا عن القوانين الجديدة، فللقوانين مسؤولون هم من يطبقونها أو ينفونها، إنما أنا بصدد الحديث عن رد فعل المجتمعات من القرارات المتخذة في بلد لا يمت لهم إلا بصلة الكرم أو الجيرة أو العروبة أو الدين، وإن كانت روابط قوية، إلا أنها لا تؤثر في حياتهم الخاصة ما لم يقحموا أنفسهم فيها.

     بأي حق مثلًا يتدخل فرد ما من دولة أخرى في خصوصيات شعب، سواء في لبسه أو خلافه، وفي أمور ليست من شأن شخص خارج هذا الشعب.

     هذه الفئة هي نفسها التي حاربت قيادة المرأة السعودية «لمصلحتها»، ولأنها تغبطها على الدلال، وبمجرد أن رفع حظر قيادة النساء للسيارة في السعودية انهالت عليهن بالتبريكات والتهاني دعمًا لحقوق المرأة السعودية.

     لمَ أصبح أي ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي يرى أن له الحق في الانتقاد، بالتدخل في شؤؤن الآخرين؟ إني لا أختار لأخي الصغير أي فاكهة يأكل، ولا أختار لأبي أي قناة يشاهد، ولا أنصح أمي بأي صورة ترسم، على الأقل ليس إن لم أُسأل، فلا أحد مسؤولًا عن أحد فيما يخص حياته واختياراته الشخصية.

     على الصعيد الآخر، نجد ما هو أبشع من هذا التطفل، نجد ذا الحجة الضعيفة، من يخشى التغيير نفسه لا عواقبه، من يصيبه الذعر إن خرج عن عاداته أو الروتين، أو شهد ما يخرج عن المألوف، يدافع عن رأيه بجيش من خارج بلده، يؤيد الجماعات المتطفلة على تطفلها، ويصدق التبرير بالمحبة، يقف الفرد ضد فرد آخر من جماعته مع من لا شأن له فيما تنازعا فيه، فقط ليشعر بقوة موقفه.

     لقد حان الوقت لرفض التطفل، كان الوقت لانشغال كلٌّ بشأنه، حان الوقت لترك الأنفس تتنفس، والأرواح تتراقص. قال قائل من قبل: «لو لم يتدخل أحد في شؤون الآخرين لعمّ السلام بين الجميع». كُن أنتَ السلام، أو كما قال غاندي: «كُن أنت التغيير».

26 أكتوبر 2019

رابط المقال في جريدة الرياض هنا

[ نسخة عنا ]

18c3be0c941501f01976755098b3e89b--art-tutorial-sketch-tutorial

ما زال الإنسان يحاول اختراع شيء يشبهه.
بين العاشرتين –

     في مقال سابق بعنوان “تساؤلات”، تحدثت عن محدودية فكر الإنسان، أنه ممنهج على شيء مهما حاول تخطيه تمامًا فسيفشل، وأخذت على سبيل المثال نظرية دارون كمثال على ذلك؛ عندما أراد داروين أن يعرف منشأ الإنسان بحث عن شبيه له ووجد القرد أقربهم، وكلما اكتشف علماء الآثار قرودًا أو حيوانات قديمة من نفس الفصيلة جعلوها دليلًا على صحة هذه النظرية، لا يستطيعون تخيل الإنسان مخلوقًا من العدم، لابد من وجود ما يشبهه وقد انحدر منه، كذلك عندما يتخيلون الإنسان فيما بعد، يتخيلونه في أقصى تطوره إنسانًا أيضًا، لكنه مزود في جسمه باختراعات الكترونية كهربائية رقمية مطورة، كشريحة ذاكرة أو غيرها، وعندما فكروا بصنع روبوت كان الشكل الرئيسي يشبه الإنسان، حتى وإن كان الرجل الآلي مختلف عن الإنسان في تفاصيل مظهره إلا أنه يشبهه من حيث عدد الأطراف وغيرها  من النقاط الأساسية، واليوم طور العلم هذه الآلة حتى صرنا نكاد ألا نميز بينها وبين الإنسان العادي في المظهر، وهم في طور جعل هذا الاختراع أقرب ما يكون إلى الإنسان حتى في قدراته لينوب عن المورد البشري.

     وإن نظرنا إلى عدة خدمات ذكية تخدم البشرية لوجدنا الخرائط تدلك على المكان بصوت إنسان، والهاتف تأمره بمهام وتسأله عن أمور ويجيبك وكأنه إنسان، والسيارات اليوم كذلك تستطيع التحاور معها، وإن كان هذا النوع من الحوار محدود، إلا أن الإنسان فعليا لا يمكنه الخروج هنا عن طبيعته. 

     ليس على صعيد العلم الحيوي والتقني فحسب بل حتى على صعيد الفلسفة، والدين وعلم الفضاء. تجد الإنسان يفكر ضمن حدود الإنسان؛ على سبيل المثال، آلهة الإغريق صوروها بأجساد بشر وإن كان لبعضها أجنحة، صورة الملائكة كذلك بشرية في أذهان الكثير، والبعض من النصارى يتقبلون فكرة أن الإله قد يكون له شكل إنسان،  أو أن ابن الإله يرث شكله ومعظم صفاته من الجينات البشرية من أمه (العذراء)، كذلك في فلسفة الكائنات الفضائية غالبًا ما تكون صورتها -أو صورة سكان الكواكب الأخرى- كصورة الإنسان.

     حسنًا قد تنكر ذلك، ولكن كم عين للكائن الذي تخيلت الآن على أنه كائن فضائي ؟ إن لم تكن عينان فهل على الأقل احتوت العين على جفن واحد ؟ ألا ترمش العين ؟ هل للكائن مشاعر ؟ هل ينوي ويعتقد ؟ إن كان يبكي فهل تدمع عينه ؟ إن كان يضحك فهل يصدر صوتًا أو يفتح فهمه إن كان له فمٌ ؟ كم عدد أطرافه العلوية والسفلية ؟ هل يمسك الأشياء بالعلوية أم السفلية ؟ أين يقع رأسه ؟ أين موقع فمه، لو كان يسمع بعضو يقابله في الإنسان (الأذن) فكم أذنًا تخيلت ؟

     هذا ما عنيته، لم تستطع أن تخرج تمامًا من شكلك، لا تستطيع توقع وجود كائن عاقل وقادر لا يشبهك على الأقل في مظهره، لذا فحتى الخالق غالبًا ما يصعب على الكثير تخيل أنه لم يُخلق وأنه لن يبيد أبدًا. 

     ما زلت أصر على فكرتي تلك، إن الإنسان لا يكف عن محاولة خلق/ اختراع/ اكتشاف شيء يشبهه، بقصد ودون قصد، فمهما تشعبنا نبقى ضمن إيطار أشباهنا.

[ النقد حقٌّ للجميع ]

67375783_1137706283087026_9060339347496108032_n.jpg


      “النقد من حق الجميع ما دمت تشاركهم أعمالك.”

 – يقولون

       إن ملكية المجتمع للفنان مهما كان نوع فنهكتابة ورسم وغيرهمالمجرد أنه شاركهم إنتاجه أو أعماله هي كذبة أشيعت وصدقها الكثيرون، خرافة انتهجها الكثر من الفنانين ومتذوقي الفنون، ابتكرها وأيدها أنانيون يرون أن لهم الحق في أن يكونوا جزءًا من عملك بأي طريقة كانت؛ هل تساءلتم يومًا لمَ نطلب النقد ولا نتقبل بعض الآراء ؟ الجواب ببساطة هو لأن النقد يختلف عن الرأي الشخصي.

  • ما الفرق بين النقد والرأي الشخصي؟

       يعيش كلاهما تحت سقف واحد، لكن الرأي الشخصي مبني على قناعات وممارسات شخصية وذوق خاص، لذلك فأنت تحكم على جودة الشيء بلا حيادية، بينما النقد هو تبيين العيوب وغالبا ما تكون عيوب الشيءوليس دائمًامتفقًا عليها، خاصة إذا كان شيئًا تقليديًّا، بمعنى أن نقد اللوحة غالبا ما يكون مبنيًّا على أسس وقواعد وقوانين، فالواحد ينتقد تناسق الألوان في لوحة فنانة تصنف نفسها في مدرسة تشكيلية معيّنة كالوحشية أو الواقعية أو التأثيريةعلى سبيل المثال– نقدًا بالرجوع إلى أسس هذه المدرسة الفنية.. وكذلك الأديب بحسب مدرسته التراجيدية أو الرومانسية أو الوجوديةمثلًا-.

       إذا كان الشخص الممارس لفنه الكتابي أو التشكيلي أو الموسيقيإلخفي تيار معين معروف أمام العامة أو مدرسة معينة فإن الأساس الذي بنى عليه عمله أو إنتاجه له مقاييس معينة ومعايير أي أن عيوبه واضحة ومحاسنه أي أن النقد بين النقادغالبًا وليس دائمًايكون متفقًا عليه، وإن اختلف أحدهم عن الآخر فلأنه استند على رأي معلم أعظم أو أشهر أو أخبر منه، وغالبًا ما يكون هذا المعلم من رواد الفن المنتقَد نفسه أو من مؤسسيه أيًّا كانت تلك المدرسة وأيًّآ كان ذلك الفن.

  • ما حدود الرأي الشخصي بعيدًا عن السيكولوجيا والأخلاقيات والشريعة ؟

       إنها الحدود الفكرية الموضوعيةفي نفس الموضوع، إن حدودك كشخص هي نظرتك الشخصية فقط، يحق لك أن تعطي رأيك بسطحية أو تعمق وأن تقرأ قراءة سيكولوجية مبنية على مشاعرك وتوقعاتك واعتقاداتك، وتتخيل ما شئت من الكواليس والأهداف ومعانٍ خاصة، فإن كنت تقرأ لوحةعلى سبيل المثالوتريد طرح رأيك ستقول بأن الألوان كئيبة أو أن الفنان أكثر من عدد الأشجار ولو استبدلها بنخلتين لكانت أجمل ومريحة للعين، كل هذه الملاحظات ومثيلاتها تمثل رأيك الشخصي، أي أنها ليست نقدًا.. كالأشخاص الذين يحبون أن يضعون سريرهم في طرف الغرفة، وألا يكون في غرفة النوم أكثر من نافذة واحدة، ويفضلون أن تكون خزانة الملابس في غرفة النوم كذلك، حتى وإن كانت هناك متسع في المنزل لفصل غرفة التديل عن غرفة النوم، ليست تلك التفضيلات إلا ذوقًا خاصًّا، تختلف من شخص لآخر بحسب شخصيته ونظرته الشخصية، وقس على ذلك فنون أخرى.

     لكن النقد مبني على علم

     لنأخذ التصميم الداخلي كمثالعلمًا بأني أفتقر تمامًا للخبرة فيه لذا سأفترض، لنفترض مثلًا أن ناقد تصميم داخلي وجد غرفةً بأسلوب الستينات لكن ركنًا فيها ظهر غير مناسب لها لاحتوائه على مجسم روبوت من العصر الحديث أو على لوحة كرتونية أو تمثالًا يحاكي العصر الحجري، ملاحظاته هنا ستكون بمثابة نقد، فيقول مثلًا: ” إن الغرفة كلاسيكية لكن الركن الفلاني لا يمت لأسلوب التصميم العام للغرفة بصلة، أو مثلًا يدلي بملاحظات حول محتويات الغرفة وتنظيمها بناءً على علم الطاقة أوفينغ شوي، أو ينبذ، بناءً على معلومة طبية، امتلاء غرفة النوم بالنباتات لكيلا تضر بالجهاز التنفسي، كل هذه تعتبر نماذج من النقد المحتمل لغرفة ما، بينما من يقول لكعلى سبيل المثالكم أحببت ألوان الغرفة، أو لا أرى أن هذه القطعة جميلة، أو لو كانت غرفتي لما وضعت فيها هذا الكم من اللوحات، فهذه كلها آراء شخصية

     فحدود النقد هي المدرسة ذاتها، فإن خرج الفنان عن هذه المدرسة ولم ينصف نفسه في أي من المذاهب الفنية أو دمج بين اثنين منها فأكثر فإن حقه في إخراج فنه كيفما شاء مكفول له، دون نقده، لأنه أنشأ مدرسته الخاصة أو أسلوبه الخاص، ولا حدود للفن.

     يواجه الشعراء مثلًا مشكلة في هذه النقطة، حيث يواجهون حملة هجومية من الكثير من أقرانهم لخروجهم عن بحور الشعر المعروفة، حتى وإن كانت أبياتهم موزونة، والقافية ممتازة.. فمثلًا يحتمون على الشاعر أن يكتب القصيدة بقافتين قافية للشطر الأول وقافية للشطر الثاني على مد القصيدة، أو إن كان سيقفّي البيت فقطأي الأشطر الثانيةفإنه لابد من أن يتشمل القافية نفسها الشطر الأول من البيت الأول، ومخالفة ذلك يعدها البعض خطأً وعدم احتراف من الشاعر.. هنا أتعجب منالتحجر الفنيإن ناسب الوصف الحالة، فمن وضع هذه القواعد ومنع وضع غيرها ؟ الشعر فن، والفن حر في تقنياته وأساليبه، والكتابة الفنية ينبغي أن تكون سليمة ما دامت مفهومة وجميلة وسليمة النحو والإملاء وفصيحةحيث الكلمات الشائعة بين العامة في زمن الكاتب نفسهوأن تخضع للقواعد الحقيقية للفنون الكتابية المعينةالتقارير المقالات الشعر الخاطرة الرسالة الروايةإن كان الكاتب قد أسماها بتلك المسميات، أما إن لم يصنفها فلمَ تخضع لقواعد جمالية معينة لا تمثل أصل اللغة بل شأنها شأن أي فن ابتكره وبدأه فنان ما أو كاتب فني ما.

     أذكر في مادة التحرير الكتابي في الجامعة جدولًا يبين الفرق بين المقال والخاطرة، وأحد الفروقات كان عدد كلمات كل منهما، حيث بين أن المقال يتكون من ١٠٠٠ كلمة على أقل تقدير بينما الخاطرة لا تتجاوز ٥٠٠ كلمة، وما دون ذلك فهو دخيل على الإنشاء وغير مقبول.. هل يمكن للفن أن يقبل ذلك ؟ ألا يحق للكاتب على الأقل أن يبتكر مسمى جديد لنص يحتوي على ٧٠٠ كلمة مثلًا ؟ 

     إن الأعمال الفنية إن انتمت إلى مدارس معينة ينبغي عليها أن تلتزم بحدود هذه المدارسأو المذاهبويحق للناقد حينها إن علم أن التغيير الحاصل من الفنان لم يكن عن ذكاء بل عن جهل أن ينتقده بحدود المذهب، وإلا فوُجب عليه أن يحترم إبداعه كما احترم اليوم تكعيبية بيكاسو، وإن كان الفن جديدًا أو دامجًا لعدة مدارس أو مجدد لمذهب ما باعتراف من الممارس الفني دون أن يدعي اتباعه التام والتقليدي للمذهب، فلا يحق لأحدبرأييأن ينتقده أو يطلبون منه تحديد تيار سابق وموجود، لأنه فن !

     إن لم نقبل الجديد في الفن فلن يدوم.

     لكل حضارة تاريخ، الأمس مؤرخ ومؤرشف، وما سمّي تاريخًا إلا لأن الجديد لحقه، واختلافه عن عصرنا هذا يدل علىالتجديد، وما من نهضة دون تجديد، فاتباع القديم مجرد تقليدية، وما دمنا نسير مع الزمن فلا مانع من التجديد، بل لابد منه، لأن أفكار الإنسان يجددها الزمان، وفهمه لما حوله يتجدد، وضعه للأولويات واستثناؤه للمبادئ ومخالفته إياها وخروجه عن القوانين، كلها مسببات للتجديد ودلالات عليه، فكيف لا يتجدد ما يشكّل الحضارة وما يعرف باللغة العالمية الموحدة لهذه الحضارات والتي تربط العالم كله ببعضه ؟ كيف لا يتجدد الفن ؟ وأعني بذلك الفن بأنواعه من رسم وتصميم داخلي وعمراني وطبخ وأدب ومسرح وموسيقى ونحت

     إن حصرنا كل هذا في مدارس قديمة فإننا حبيسو حضارات صنعها الأجداد، ولم نستطع تجاوز تاريخ لم يعد يمثلنا اليوم. إن هذا الحصر والاكتفاء بما وضعه من سبقنا دليل على أن الأجيال المعاصرة لا ترى في نفسها المؤهلات للابتكار ولإنشاء تيارات فنية جديدة. إن الحضارة اليوم تمر بأزمة نوم، سبات حضاري، فالجيل الذي يعتقد بافتقاده للإمكانيات في ابتداع مذاهب جديدة أو تجديد مدارس قديمة هو جيل يرى الماضي كله مقدسًا والخروج عن حدوده اليوم هو تشويهًا له.

     إن هناك هوة كبيرة بين الفن المعاصر والفنون التقليدية، الكثير من النقاد يحترمون الفن المعاصر حتى وإن لم يعجبهم، معترفين به، لأن الإعلام فرضه عليهم، كاعترافهم بالفنون الكلاسيكية القديمة، التي فرضها عليهم التاريخ، واليوم نستطيع أن نرى بوضوع ما بينهما فراغ كبير

     إن نظرنا إلى المدارس التشكيلية القديمة وجدناها جميعها نتيجة تحولات وتغييرات لمدرسة واحدةالواقعية، أي أن المدارس الفنية قديمًا كانت تتأثر ببعضها، كانت أكثر حرية، والفنان كان أكثر جرأة. أما اليوم فالفئة الناقدة تفصل تمامًا التقليدية بأنواعها من المدارس عن المدرسة الجديدةالفن المعاصروتجد الدمج بينهما غير جمالي، أو خاطئًا، أو ربما كفقاعة لا مستقبل لها، لذا فهم يرون أنك كفنان مجبر على تحديد انتمائك لمدرسة فنية واحدة، وكأن الفن دين أو جنسية، محصور في مسميات أو مذاهب

     إن البعض يرى لنفسه الحق بنقد الفن كما شاء ما دام ممارسًا لنوع معين من الفنون الموسيقية أو التشكيلية أو المسرحية وغيرها، ولكن الممارسة لا ترخص لك النقد، فغالبًا من يمارس فنًّا معينًا لفترة طويلة ينتمي إلى مدرسة معينة، سواءً كانت قد أُنشئت من قبل أو أنشأها هو بنفسه، لذا فنقده غالبًا ما يكون محدودًا، لأن نظرته بدورها محدودة، محصورة بما يمارسه بنفسه واعتاد على ممارسته. إن ممارستك لتيار فني معين لفترة طويلة لا يعطيك الحق بانتقاد فنان جديد من مدارس مغايرة لمذهبك

     الفن ألطف من أن يصفَّد، الفن مشاعر حرة وأفكار تمتد بأفق لا نهائي، الفن تعبير إنساني، لغة تواصل عالمية، والنقد الذي يقيّد الفنان ولا يطوّره لا يحترم جوهر الفن، ولا يدرك ماهيته، لذا فلنفرّق بين النقد والرأي الشخصي