[ نسخة عنا ]

18c3be0c941501f01976755098b3e89b--art-tutorial-sketch-tutorial

ما زال الإنسان يحاول اختراع شيء يشبهه.
بين العاشرتين –

     في مقال سابق بعنوان “تساؤلات”، تحدثت عن محدودية فكر الإنسان، أنه ممنهج على شيء مهما حاول تخطيه تمامًا فسيفشل، وأخذت على سبيل المثال نظرية دارون كمثال على ذلك؛ عندما أراد داروين أن يعرف منشأ الإنسان بحث عن شبيه له ووجد القرد أقربهم، وكلما اكتشف علماء الآثار قرودًا أو حيوانات قديمة من نفس الفصيلة جعلوها دليلًا على صحة هذه النظرية، لا يستطيعون تخيل الإنسان مخلوقًا من العدم، لابد من وجود ما يشبهه وقد انحدر منه، كذلك عندما يتخيلون الإنسان فيما بعد، يتخيلونه في أقصى تطوره إنسانًا أيضًا، لكنه مزود في جسمه باختراعات الكترونية كهربائية رقمية مطورة، كشريحة ذاكرة أو غيرها، وعندما فكروا بصنع روبوت كان الشكل الرئيسي يشبه الإنسان، حتى وإن كان الرجل الآلي مختلف عن الإنسان في تفاصيل مظهره إلا أنه يشبهه من حيث عدد الأطراف وغيرها  من النقاط الأساسية، واليوم طور العلم هذه الآلة حتى صرنا نكاد ألا نميز بينها وبين الإنسان العادي في المظهر، وهم في طور جعل هذا الاختراع أقرب ما يكون إلى الإنسان حتى في قدراته لينوب عن المورد البشري.

     وإن نظرنا إلى عدة خدمات ذكية تخدم البشرية لوجدنا الخرائط تدلك على المكان بصوت إنسان، والهاتف تأمره بمهام وتسأله عن أمور ويجيبك وكأنه إنسان، والسيارات اليوم كذلك تستطيع التحاور معها، وإن كان هذا النوع من الحوار محدود، إلا أن الإنسان فعليا لا يمكنه الخروج هنا عن طبيعته. 

     ليس على صعيد العلم الحيوي والتقني فحسب بل حتى على صعيد الفلسفة، والدين وعلم الفضاء. تجد الإنسان يفكر ضمن حدود الإنسان؛ على سبيل المثال، آلهة الإغريق صوروها بأجساد بشر وإن كان لبعضها أجنحة، صورة الملائكة كذلك بشرية في أذهان الكثير، والبعض من النصارى يتقبلون فكرة أن الإله قد يكون له شكل إنسان،  أو أن ابن الإله يرث شكله ومعظم صفاته من الجينات البشرية من أمه (العذراء)، كذلك في فلسفة الكائنات الفضائية غالبًا ما تكون صورتها -أو صورة سكان الكواكب الأخرى- كصورة الإنسان.

     حسنًا قد تنكر ذلك، ولكن كم عين للكائن الذي تخيلت الآن على أنه كائن فضائي ؟ إن لم تكن عينان فهل على الأقل احتوت العين على جفن واحد ؟ ألا ترمش العين ؟ هل للكائن مشاعر ؟ هل ينوي ويعتقد ؟ إن كان يبكي فهل تدمع عينه ؟ إن كان يضحك فهل يصدر صوتًا أو يفتح فهمه إن كان له فمٌ ؟ كم عدد أطرافه العلوية والسفلية ؟ هل يمسك الأشياء بالعلوية أم السفلية ؟ أين يقع رأسه ؟ أين موقع فمه، لو كان يسمع بعضو يقابله في الإنسان (الأذن) فكم أذنًا تخيلت ؟

     هذا ما عنيته، لم تستطع أن تخرج تمامًا من شكلك، لا تستطيع توقع وجود كائن عاقل وقادر لا يشبهك على الأقل في مظهره، لذا فحتى الخالق غالبًا ما يصعب على الكثير تخيل أنه لم يُخلق وأنه لن يبيد أبدًا. 

     ما زلت أصر على فكرتي تلك، إن الإنسان لا يكف عن محاولة خلق/ اختراع/ اكتشاف شيء يشبهه، بقصد ودون قصد، فمهما تشعبنا نبقى ضمن إيطار أشباهنا.

[ موتٌ وحياة ]

     عندما ولدنا لم نشعر بالولادة، وإن متنا دون احتضار فلن نشعر بالموت، الموت والولادة حدثان حقيقيان لا يمكن لنا أن نشعر بهما، ولكنهما أكثر لحظتين ندعي بعقلنا البشري المحدود معرفة الإحساس بهما، فنضرب بهما الأمثلة كلما أردنا وصف مشاعر تحت السلبية أو فوق الإيجابية، جميعنا جرب الموت، بطريقته الخاصة، لكن الكثير منا لم يجرب ولادته من جديد أبدًا، بأي طريقة، لم يجربها ما لم يمر بلحظات تعدت تشبيهها بالموت لتصل إلى شيء أعظم منه، شيء أكثر مهانة يحيله إلى ما بعد العدم.

     كنتُ أحتضر لفترة طويلة، أقاوم رغبة الموت باجتياح جسدي وروحي وعقلي، احتضرتُ مئات المرات، ليلًا ونهارًا، وحيدة وبين الناس، لكن الموت أصابني في ربع يومٍ أو أقل، تخيل أن تموت لمدةٍ طويلة، أعني أن تشعر بالموت لمدةٍ طويلة، تخيل أن يموت كل ما فيك، أن تنتهي حياتك، وما لا تستطيع إنهاءه وقتله هو شعورك بالموت، وأفكارك حوله: ” أنا ميت، لقد مت، يا إلهي، أطرافي تتحرك، عقلي يعمل، أستطيع التكلم، لكنّي مُت، أنا ميت الآن، لا أريد أن أبقى ميتا، ليس هكذا، أبدًا، أريد الخلود في هذا الأمر على الأقل، خلود يرافق العمر. ” ثم، وفي لحظة واحدة، بكلمة واحدة، كلمة هامسة، تشعر ولأول مرة بأنك وُلِدت: “يا إلهي! لقد ولدت للمرة الثانية في حياتي، لكني هذه المرة أشعر بولادتي، عقلي حاضر، أنا ولدت للمرة الثانية، وبعثت قبل البعث، عدتُ أتنفس جيدًا، إني على قيد الحياة!”

الحب موت وحياة..

فلتحيِ من أحياك، ولا تقتل نفسك أبدًا.

[ النقد حقٌّ للجميع ]

67375783_1137706283087026_9060339347496108032_n.jpg


      “النقد من حق الجميع ما دمت تشاركهم أعمالك.”

 – يقولون

       إن ملكية المجتمع للفنان مهما كان نوع فنهكتابة ورسم وغيرهمالمجرد أنه شاركهم إنتاجه أو أعماله هي كذبة أشيعت وصدقها الكثيرون، خرافة انتهجها الكثر من الفنانين ومتذوقي الفنون، ابتكرها وأيدها أنانيون يرون أن لهم الحق في أن يكونوا جزءًا من عملك بأي طريقة كانت؛ هل تساءلتم يومًا لمَ نطلب النقد ولا نتقبل بعض الآراء ؟ الجواب ببساطة هو لأن النقد يختلف عن الرأي الشخصي.

  • ما الفرق بين النقد والرأي الشخصي؟

       يعيش كلاهما تحت سقف واحد، لكن الرأي الشخصي مبني على قناعات وممارسات شخصية وذوق خاص، لذلك فأنت تحكم على جودة الشيء بلا حيادية، بينما النقد هو تبيين العيوب وغالبا ما تكون عيوب الشيءوليس دائمًامتفقًا عليها، خاصة إذا كان شيئًا تقليديًّا، بمعنى أن نقد اللوحة غالبا ما يكون مبنيًّا على أسس وقواعد وقوانين، فالواحد ينتقد تناسق الألوان في لوحة فنانة تصنف نفسها في مدرسة تشكيلية معيّنة كالوحشية أو الواقعية أو التأثيريةعلى سبيل المثال– نقدًا بالرجوع إلى أسس هذه المدرسة الفنية.. وكذلك الأديب بحسب مدرسته التراجيدية أو الرومانسية أو الوجوديةمثلًا-.

       إذا كان الشخص الممارس لفنه الكتابي أو التشكيلي أو الموسيقيإلخفي تيار معين معروف أمام العامة أو مدرسة معينة فإن الأساس الذي بنى عليه عمله أو إنتاجه له مقاييس معينة ومعايير أي أن عيوبه واضحة ومحاسنه أي أن النقد بين النقادغالبًا وليس دائمًايكون متفقًا عليه، وإن اختلف أحدهم عن الآخر فلأنه استند على رأي معلم أعظم أو أشهر أو أخبر منه، وغالبًا ما يكون هذا المعلم من رواد الفن المنتقَد نفسه أو من مؤسسيه أيًّا كانت تلك المدرسة وأيًّآ كان ذلك الفن.

  • ما حدود الرأي الشخصي بعيدًا عن السيكولوجيا والأخلاقيات والشريعة ؟

       إنها الحدود الفكرية الموضوعيةفي نفس الموضوع، إن حدودك كشخص هي نظرتك الشخصية فقط، يحق لك أن تعطي رأيك بسطحية أو تعمق وأن تقرأ قراءة سيكولوجية مبنية على مشاعرك وتوقعاتك واعتقاداتك، وتتخيل ما شئت من الكواليس والأهداف ومعانٍ خاصة، فإن كنت تقرأ لوحةعلى سبيل المثالوتريد طرح رأيك ستقول بأن الألوان كئيبة أو أن الفنان أكثر من عدد الأشجار ولو استبدلها بنخلتين لكانت أجمل ومريحة للعين، كل هذه الملاحظات ومثيلاتها تمثل رأيك الشخصي، أي أنها ليست نقدًا.. كالأشخاص الذين يحبون أن يضعون سريرهم في طرف الغرفة، وألا يكون في غرفة النوم أكثر من نافذة واحدة، ويفضلون أن تكون خزانة الملابس في غرفة النوم كذلك، حتى وإن كانت هناك متسع في المنزل لفصل غرفة التديل عن غرفة النوم، ليست تلك التفضيلات إلا ذوقًا خاصًّا، تختلف من شخص لآخر بحسب شخصيته ونظرته الشخصية، وقس على ذلك فنون أخرى.

     لكن النقد مبني على علم

     لنأخذ التصميم الداخلي كمثالعلمًا بأني أفتقر تمامًا للخبرة فيه لذا سأفترض، لنفترض مثلًا أن ناقد تصميم داخلي وجد غرفةً بأسلوب الستينات لكن ركنًا فيها ظهر غير مناسب لها لاحتوائه على مجسم روبوت من العصر الحديث أو على لوحة كرتونية أو تمثالًا يحاكي العصر الحجري، ملاحظاته هنا ستكون بمثابة نقد، فيقول مثلًا: ” إن الغرفة كلاسيكية لكن الركن الفلاني لا يمت لأسلوب التصميم العام للغرفة بصلة، أو مثلًا يدلي بملاحظات حول محتويات الغرفة وتنظيمها بناءً على علم الطاقة أوفينغ شوي، أو ينبذ، بناءً على معلومة طبية، امتلاء غرفة النوم بالنباتات لكيلا تضر بالجهاز التنفسي، كل هذه تعتبر نماذج من النقد المحتمل لغرفة ما، بينما من يقول لكعلى سبيل المثالكم أحببت ألوان الغرفة، أو لا أرى أن هذه القطعة جميلة، أو لو كانت غرفتي لما وضعت فيها هذا الكم من اللوحات، فهذه كلها آراء شخصية

     فحدود النقد هي المدرسة ذاتها، فإن خرج الفنان عن هذه المدرسة ولم ينصف نفسه في أي من المذاهب الفنية أو دمج بين اثنين منها فأكثر فإن حقه في إخراج فنه كيفما شاء مكفول له، دون نقده، لأنه أنشأ مدرسته الخاصة أو أسلوبه الخاص، ولا حدود للفن.

     يواجه الشعراء مثلًا مشكلة في هذه النقطة، حيث يواجهون حملة هجومية من الكثير من أقرانهم لخروجهم عن بحور الشعر المعروفة، حتى وإن كانت أبياتهم موزونة، والقافية ممتازة.. فمثلًا يحتمون على الشاعر أن يكتب القصيدة بقافتين قافية للشطر الأول وقافية للشطر الثاني على مد القصيدة، أو إن كان سيقفّي البيت فقطأي الأشطر الثانيةفإنه لابد من أن يتشمل القافية نفسها الشطر الأول من البيت الأول، ومخالفة ذلك يعدها البعض خطأً وعدم احتراف من الشاعر.. هنا أتعجب منالتحجر الفنيإن ناسب الوصف الحالة، فمن وضع هذه القواعد ومنع وضع غيرها ؟ الشعر فن، والفن حر في تقنياته وأساليبه، والكتابة الفنية ينبغي أن تكون سليمة ما دامت مفهومة وجميلة وسليمة النحو والإملاء وفصيحةحيث الكلمات الشائعة بين العامة في زمن الكاتب نفسهوأن تخضع للقواعد الحقيقية للفنون الكتابية المعينةالتقارير المقالات الشعر الخاطرة الرسالة الروايةإن كان الكاتب قد أسماها بتلك المسميات، أما إن لم يصنفها فلمَ تخضع لقواعد جمالية معينة لا تمثل أصل اللغة بل شأنها شأن أي فن ابتكره وبدأه فنان ما أو كاتب فني ما.

     أذكر في مادة التحرير الكتابي في الجامعة جدولًا يبين الفرق بين المقال والخاطرة، وأحد الفروقات كان عدد كلمات كل منهما، حيث بين أن المقال يتكون من ١٠٠٠ كلمة على أقل تقدير بينما الخاطرة لا تتجاوز ٥٠٠ كلمة، وما دون ذلك فهو دخيل على الإنشاء وغير مقبول.. هل يمكن للفن أن يقبل ذلك ؟ ألا يحق للكاتب على الأقل أن يبتكر مسمى جديد لنص يحتوي على ٧٠٠ كلمة مثلًا ؟ 

     إن الأعمال الفنية إن انتمت إلى مدارس معينة ينبغي عليها أن تلتزم بحدود هذه المدارسأو المذاهبويحق للناقد حينها إن علم أن التغيير الحاصل من الفنان لم يكن عن ذكاء بل عن جهل أن ينتقده بحدود المذهب، وإلا فوُجب عليه أن يحترم إبداعه كما احترم اليوم تكعيبية بيكاسو، وإن كان الفن جديدًا أو دامجًا لعدة مدارس أو مجدد لمذهب ما باعتراف من الممارس الفني دون أن يدعي اتباعه التام والتقليدي للمذهب، فلا يحق لأحدبرأييأن ينتقده أو يطلبون منه تحديد تيار سابق وموجود، لأنه فن !

     إن لم نقبل الجديد في الفن فلن يدوم.

     لكل حضارة تاريخ، الأمس مؤرخ ومؤرشف، وما سمّي تاريخًا إلا لأن الجديد لحقه، واختلافه عن عصرنا هذا يدل علىالتجديد، وما من نهضة دون تجديد، فاتباع القديم مجرد تقليدية، وما دمنا نسير مع الزمن فلا مانع من التجديد، بل لابد منه، لأن أفكار الإنسان يجددها الزمان، وفهمه لما حوله يتجدد، وضعه للأولويات واستثناؤه للمبادئ ومخالفته إياها وخروجه عن القوانين، كلها مسببات للتجديد ودلالات عليه، فكيف لا يتجدد ما يشكّل الحضارة وما يعرف باللغة العالمية الموحدة لهذه الحضارات والتي تربط العالم كله ببعضه ؟ كيف لا يتجدد الفن ؟ وأعني بذلك الفن بأنواعه من رسم وتصميم داخلي وعمراني وطبخ وأدب ومسرح وموسيقى ونحت

     إن حصرنا كل هذا في مدارس قديمة فإننا حبيسو حضارات صنعها الأجداد، ولم نستطع تجاوز تاريخ لم يعد يمثلنا اليوم. إن هذا الحصر والاكتفاء بما وضعه من سبقنا دليل على أن الأجيال المعاصرة لا ترى في نفسها المؤهلات للابتكار ولإنشاء تيارات فنية جديدة. إن الحضارة اليوم تمر بأزمة نوم، سبات حضاري، فالجيل الذي يعتقد بافتقاده للإمكانيات في ابتداع مذاهب جديدة أو تجديد مدارس قديمة هو جيل يرى الماضي كله مقدسًا والخروج عن حدوده اليوم هو تشويهًا له.

     إن هناك هوة كبيرة بين الفن المعاصر والفنون التقليدية، الكثير من النقاد يحترمون الفن المعاصر حتى وإن لم يعجبهم، معترفين به، لأن الإعلام فرضه عليهم، كاعترافهم بالفنون الكلاسيكية القديمة، التي فرضها عليهم التاريخ، واليوم نستطيع أن نرى بوضوع ما بينهما فراغ كبير

     إن نظرنا إلى المدارس التشكيلية القديمة وجدناها جميعها نتيجة تحولات وتغييرات لمدرسة واحدةالواقعية، أي أن المدارس الفنية قديمًا كانت تتأثر ببعضها، كانت أكثر حرية، والفنان كان أكثر جرأة. أما اليوم فالفئة الناقدة تفصل تمامًا التقليدية بأنواعها من المدارس عن المدرسة الجديدةالفن المعاصروتجد الدمج بينهما غير جمالي، أو خاطئًا، أو ربما كفقاعة لا مستقبل لها، لذا فهم يرون أنك كفنان مجبر على تحديد انتمائك لمدرسة فنية واحدة، وكأن الفن دين أو جنسية، محصور في مسميات أو مذاهب

     إن البعض يرى لنفسه الحق بنقد الفن كما شاء ما دام ممارسًا لنوع معين من الفنون الموسيقية أو التشكيلية أو المسرحية وغيرها، ولكن الممارسة لا ترخص لك النقد، فغالبًا من يمارس فنًّا معينًا لفترة طويلة ينتمي إلى مدرسة معينة، سواءً كانت قد أُنشئت من قبل أو أنشأها هو بنفسه، لذا فنقده غالبًا ما يكون محدودًا، لأن نظرته بدورها محدودة، محصورة بما يمارسه بنفسه واعتاد على ممارسته. إن ممارستك لتيار فني معين لفترة طويلة لا يعطيك الحق بانتقاد فنان جديد من مدارس مغايرة لمذهبك

     الفن ألطف من أن يصفَّد، الفن مشاعر حرة وأفكار تمتد بأفق لا نهائي، الفن تعبير إنساني، لغة تواصل عالمية، والنقد الذي يقيّد الفنان ولا يطوّره لا يحترم جوهر الفن، ولا يدرك ماهيته، لذا فلنفرّق بين النقد والرأي الشخصي

[ حُرٌّ .. موجودٌ ]

 

 

0-2.jpg

 


 

عاصفة من حروف ونيران وثلوج،
تثور بداخلك،
بل ترقص،
تترنح كعازفة كمان عالقة
بين مشاعرها المختلطة ونشوة الموسيقى،
عاصفة غريبة،
لكنك لا ترجو هدوءها.

تشعرك بأنك وُلدت من جديد،
وخُلقت من جديد،
تشعرك بأنك خَلقتَ بداخلك
نفسك التي كنتَ قد قتلتها بيديك.

تلازمك،
وتبدو قويًّا بالرغم منها،
لكنك في لحظات وفجأة
تجد نفسك وسطها؛ وكأنها قد ابتلعتك.
تعيش بداخلها وتعيش بداخلك،
أو تصبحان كالجسد الواحد،
جسد يدور حول نفسه،
كصوفي لا يرجو التوقف قبل الصعود إلى السماء.

رقصة على الماضي،
لا ترى مرارته،
بل تراه حلوًا،
حسنًا ولكنه قوي المذاق،
كعنب تعصره بقدميك بقوة حتى تسقط منهكًا،
وتثمل بنبيذه لتصعد أيضًا إلى السماء.

جذورك مغروزة في باطن الأرض،
وثابتة كشجرة معمّرة،
ولكنك تحلّق.. تحلّق بعيدًا،
ولا يكفيك الصعود إلى القمر،
ولا إلى السماء العليا.

عاصفة تجذب إلى قلبك حب نفسك،
وتطرد عنه العمى،
تذكرك بأنك هنا، موجود..
لا تحتاج إلى ما يثبت وجودك،
فأنت حقيقي.. حقيقي جدًّا،
لم تكن وهمًا يومًا ولا خفيًّا،
أنتَ هنا ظاهر لكل مبصر.

بِصمتك يسمعك الآخرون،
وبحديثك ينصتون.

أنتَ هنا ليسَ لشيء إلا لأنك أنت،
تردد بداخلك: أنا أنا إذًا أنا موجود.

تدور الأحرف في دوامة لا تحرقها النار،
ولا تجمدها الثلوج،
ولا تطردها العاصفة.

تدور الأحرف لتعبّر بطريقتها
عما لا يفهمه أحد سواك.

مباركٌ لك،
لقد تحررت من القيود.

[ أنا هنا ]

unnamed


مرحبا..

منذ ذلك اليوم وحتى الساعة وفكرتك لا تنفك عن التردد على ذهني، أعني، عندما قلت لي بأننا أقوياء بين الناس وخاصة المقربين منا، أقوياء ونخفي ضعفنا لنحميهم من علامات انكسارنا.

صحيح، ولكن… ألم تمر بك ليالٍ شعرت فيها بأنك في جوهرك محطم وهش وفارغ لا يملؤك سوى الركام والرماد، وتود لو أن أحدهم يشعر بضعفك ويراه ويدركه، دون أن تطلعه على ذلك بنفسك ؟

طبعًا، لأنك تضع حاجزًا دائمًا بينك والآخرين، فمهما كنت واضحًا معهم إلا أنك أحيانًا تكون بحاجة ماسة إلى الإفصاح عن مكنونك ولكنك لا تستطيع، ليس كبرياءً منك ولا لتؤثرهم على نفسك بالهناء، كل ما في الأمر أنك لا تعرف كيف وأين ومتى ومع من يمكنك ذلك.

تحتاج بشدة لأن يدرك شخص ما مدى وهنك، أي شخص، على أن يكون شخصًا لو بكيت أمامه تقبلت منه العناق، وإن ابتسم لك أو تحدث معك أشعرك بالأمان.

لربما كنت على معرفة بثلةٍ ممن يناسبهم هذا الدور في تلك اللحظة، ولكنك تتمنى وجود غريب قريب لا يرجو منك شيئًا، يهمك وتهمه، بطريقة غريبة، وبأنانية منك تجعله يدرك الضعف الذي فيك، شخص قويّ لا يتأثر بك سلبًا أبدًا، لكنه يشعر به ويفهمه كما لو كانت أنت.

كأن جرحك أو ألمك أو أيًّا كان ما يهلكك يقف في حفرة دفينة بداخلك وعميقة وربما لانهائية، يقف هناك ويصرخ بأقوى صمت قد يزلزل الكون بأكمله: “أنا هنا، أنا هنا ولكنني لا أظهر، أنا هنا ولكنني لا أظهر حتى وإن رغبت في ذلك فإني أظل عالقًا عاجزًا عن الخروج، لأني حبيسٌ بين روح وجسد شخص على الرغم من ضعفه قوي، وينسى أنه رغم قوته ضعيف”.

هذا ما أشعر به، وأكتفي بوصفه هنا، بأحرف، وكأن الحرف درعٌ يحميني من الوضوح، لا أبحث من ورائه عن حل ولا أطلب النجدة، فقط أتركُني وشأني للثواني، للساعات، للسنين، لعل يومًا شافيًا قد يجيء وتشرق علي شمسه، يومًا أراه بعيدًا جدا جدا عني، ليس لأني لا أستحقه ولكن لأني أعرفني جيدًا، ولا أدري إن كنت أحب هذا الشيء فيني أو أكرهه، ولكني أدرك أنه يبقيني على قيد الحياة، وإن كنت على قيدها وحيدة ومتعبة.

[ الفرد مجتمع والمجتمع فرد ]

my-society-member

Artist: GIRISH CHANDRA

     الانطباع، ما معنى الانطباع، وعلى أي أساس يكون المرء انطباعًا عن أحدهم ؟ على أساس الصور السابقة التي احتفظت بها ذاكرته، أم خيالاته، أم تغذية اجتماعية علمية كونية لا تشترط تجاربه الخاصة.

     التقدير، متى يكون، وما الداعي له، ومن يستحقه، ولماذا ؟ إلى أي مدى نحسن اختيار من نقدر ؟ أو ما معنى التقدير حتى ؟

     الاحترام، هل هو ضرورة أم مكرمة ؟ عندما تشكر على احترامك هل لأنك قمت بالواجب أم لأنك تفضلت بما لا يجب ؟ هل هو فطرة أو اكتساب ؟ ما الذي قد يتعطل على هذه الأرض دون الاحترام ؟

     التحية، من اخترعها ؟ لمَ وجدت ؟ هل حقًّا ما زالت تؤثر على العلاقات تأثيرًا إيجابيا وتفشي المحبة وما إلى ذلك أم أنها مجرد بروتوكول ؟ إن كان المرء منا يعلم بأن أحدهم حياه مجاملةً وبدون صدق فلمَ قد يغضب عندما لا يحييه في يوم ما فيفتعل مشكلة تجاه ذلك اللافعل ؟

     صف إنسانًا ما بصفات معنوية غير شكلية، مواصفات فكرية عاطفية اجتماعية روحانية أخلاقية، على سبيل المثال وبعشوائية وارتجال، لنفرض أن فلانًا من الناس: كريمًا، صادقًا، محترمًا، لبيبًا، فطنًا، ملتزمًا، ودودًا، متعاونًا، عنيدًا، هجوميًا، فوضويًّا، مجنونًا، غير منطقي، أفلاطونيًّا، مبدعًا؛ على أي أساس أطلقنا عليه هذه الصفات ؟ هل كان من الممكن أن نصفه بما وصفناه به إن لم يكن فردًا من مجتمع ما ؟

     كرمه لأنه أعطى إنسانًا آخر، صدقه لأنه لم يكذب على إنسانٍ آخر، احترامه لأنه احترم الآخرين، لبابته لأنه يفهم الناس من كلمة أو من أول مرة وهكذا، فطنته لأنه أدرك شيئا ما غالبًا ما يكون من اكتشاف أو فعل أو صنع أو قول الإنسان، التزامه الأخلاقي كان بحسب ما أملاه عليه الناس أو بحسب ما فهم منهم أو وجده فيهم، والتزامه الديني لالتزامه بما بلغه به إنسان آخر، ودادته لأنه يلج سريعًا إلى قلوب الآخرين، تعاونه أي مع الآخرين، عناده أي مقابل الآخرين في غالب الأحيان فلا يرضخ بسهولة لأمرهم أو لآرائهم، هجوميته أي تجاه الآخرين ، فوضويته بحسب قوانين الآخرين، جنونه بحسب تقدير الآخرين ومقارنة بهم، اللامنطقية بحسب انطباع الناس عنه لأنهم لم يدركوا فكره مثلًا، أفلاطونيته، حسنًا يكفي أنها صفة تحمل اسم مبتدعها، وإبداعه لأنه ابتكر ما لم يبتكره الآخرين وفكر خارج صناديقهم.. إذن الإنسان لا يمكن أن يحمل صفات جوهرية إلا بوجود الآخرين، فحتى استقلاله كان لأنه استقل عن الآخرين.

     الإنسان كالمجتمع، مكون من أفراد، تصور معي شلالات محيطة بمنطقة ما جافة، ألن تكوّن بحيرة ؟ كل شلال منها هو بحيرة بحد ذاته تنسكب من جهة واحدة أو من أكثر من جهة لتساهم بتكوين بحيرة جديدة، بعيدًا عن كون الإنسان يلده إنسان مثله، ويعلمه إنسان مثله، ويربيه إنسان مثله، إن الإنسان بلا صفة حقيقية ما لم يكن جزءًا من الناس وما لم يكن الناس جزءًا منه كذلك.

     حسنًا، لنعد إلى العناصر الاجتماعية السابقة: الانطباع، التقدير، الاحترام، التحية.

     الأولى تشذ عن البقية ولكنها الغلاف الذي يحيط بهم، فإن التقدير مقياسه ليس إلا انطباعًا من المجتمع أو أحد أفراده، والاحترام كذلك، والتحية نوعها ووقتها ووجودها من عدمه يعطي انطباعًا كذلك، ولنفرض أنك مثاليٌّ جدا، وأرضيت كل أصناف المجتمع، فمن يحبك بخيلًا كنت بخيلًا معه ومن يحبك كريمًا أكرمته، ومن يحبك فقيرًا لم تظهر له سوى فقرك ومن يقدرك غنيًّا أظهرت له غناك، ولنفرض أنك بطريقة إعجازية استطعت أن ترضي كل كائن بشري على هذه المعمورة فبرأيك ما الصفة التي قد يتفق عليها الجميع ؟ مثالي ؟ مسالم ؟ عظيم ؟ سيتفقون على كونك إنسانًا إيجابيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى بالنسبة إلى كل واحد منهم، ومن يظن أن المثالية صفة الملائكة سيكاد يجزم بأنك من أهل السماء، لكن ما الذي جعلهم يرونك بهذه الطريقة ؟ أظن أنه الغرور، النرجسية، الأنا، رغبة النفس بأن يسير كل شيء على ما تحبه هي وحدها دون الاكتراث بالآخرين، وحتى عندما تهتم بالآخرين وما يريدون إلا أنها تبقى لا ترى الشيء رائعًا ما لم يكن على “مزاجها”.

  –  حسنًا، إذًا ما المثالية ؟ ما السلام ؟ ما العظمة ؟

     إن المثالية بالنسبة للمرء هي الكمال وعدم النقصان، ووحده من يحدد أي كمال يقصد وما المعايير التي تنقصه. وإن السلام بالنسبة للمرء هو ما لا يتعرض إليه بالأذى قبل أي أحد آخر، والسلم من السلام. أما العظمة عند المرء هي ما يفوق توقعاته بشكل غير متوقع.

     إذًا فحياتنا كلها هي من صنع الآخرين، ونحن من صنع الآخرين، ولا يجب علينا أن نكون ضحايا هنا، فإننا نحن أيضًا جزء من صنع حياة الآخرين أو صنعهم أنفسهم.

  –  الخلاصة: إن الفرد مجتمعٌ كما أن المجتمع فردٌ !

[ الهدير ]

-لا يطيقون تحملك.
-صه! استمعي جيدا، انصتي.

-انصتي أنتِ لقد…
-شششه هدوء، قليلًا، هل تسمعين الهدير؟

-هدير ماء، وماذا في الأمر؟
-انصتي جيدًّا واغمضي عينيك، أليس حزينًا؟

-الماء لا يشعر يا بلهاء.
-أليس صوته كالهمس الحزين؟ والحمامة، هديلها يبدو كالأنين، كأنين السجين.

-يا إلهي كفي عن هراءا…
-اقتربي مني، هيا اشتمّي رائحة قميصي.

-ماذا ب…
-اقتربي فحسب !

-ياه !
-أريتِ؟ هذه زفرة حنين، الناس لا يبغضوني، هم يعترضون فقط لأنهم لا ينفكون عن قراءة حزني أكثر وأكثر كلما لمست ذاك الجرح بداخلهم.

-ومن أنتِ، طبيب ؟
-بل مجرد إنسان تصالح مع علته، فحولها إلى سيمفونية.

-الموسيقى حياة.
-فعلًا والحياة محزنة.

-الحياة جميلة.
– أجل فللحزن جاذبية.

-أعني أن الحياة حياة، كيف أشرح ذلك؟! حسنًا، الحياة كطفل خطا خطوته الأولى وهو يضحك، وفرح بخطوته والداه، أجل!
-أتعنين والديه اللذين يكادان “يبكيان” من الفرح؟

-وإن يكن فالسبب مفرح!
-أجل لكن للحزن بصمته هنا.

-وماذا عن الطفل أليس فرحًا؟
-الطفل عندها لن يفهم هذه المشاعر، لا وعي حقيقي عنده بعد، ربما الخوف هو ما يؤثر فيه حقا.

-ما تفسيرك لسعادته عندها؟
-هرمون، حركة فسيولوجية بداخل جسده الصغير، تتسبب بتحرك عضلات وجهه أيضًا فيبدو مبتسما وتصدر من حنجرته صوتًا نسميه ضحكًا والسبب هو الدهشة، ليس الفرح! فهو في مرحلة لا يستطيع فيها إدراك الإنجاز، لا تحركه الرغبة بالإنجاز، بل المغامرة، كل طفل صغير يخطو خطوته الأولى يستمتع بشعورين، هما الخوف والدهشة، يخاف فيغامر ويخطو خطوة ويندهش ويختلط خوفه بدهشته فيتحمس للثانية ويضحك خوفًا ودهشةً…

-آه أف دعينا من خزعبلاتك!
-هل تفكرتِ بمعنى هذه الكلمة أيضًا؟

-صهٍ اسمعيني حبيبتي، كنت أحكي لكِ عن الحياة لا عن الطفل.
-ما بها ؟ حزينة وجميلة وماذا بعد؟

-لا، الحياة مخزن سعادة.
-أجل لذلك بكينا حين وُلدنا، بكينا فرحًا.

-أتحدث معك بجدية، الحزن مرض.
-أنا أحزن إذن أنا إنسان.

-إنسان محطم.
-لستُ محطمة، أنا فقط أستشعر أعماقي.

-آه كم هي خاوية!
-وبعد أن تنام أحزاني…

-جميل تنام، أها؟
-أستطيع عندها الشعور بالسعادة عندما تزورني.

-بربك!
-ماذا؟

– الحزن عشيرك والفرح مجرد زائر؟
– أجل، شيء طبيعي.

-آه كم أنتِ مريضة!
-عندما نجوع ولا نجد ما نحب من طعام نشعر بشعور بسيط جدا بالحاجة والحاجة مرتبطة بالحزن.

-واو!
-وعندما نشعر بالبرد نتمنى حضنًا دافئًا فنحزن.

-رومانسية.
-وعندما.. فعلًا رومانسية! الرومانسية مدرسة أدبية تعتمد على الحزن.

-يا إلهي عرفت الآن لمَ لا يطيقون تحملك.
-هم؟ هم يقرؤون، والقليل منهم يتطفلون، والبعض منهم يطبطبون على حقيقة مشاعرهم بالعبارات الإيجابية والشعارات البهلوانية، لكنهم يستمرون بالقراءة.

-مشفقين عليك.
-ممم لا أظن ذلك، بل…

-كم يحزنني حالك!
-أرأيتِ؟ حزن! حتى النقاش جعلكِ تحز…

-أعني يؤسفني، أجل يؤسفني عفوًا.
-الأسف من أخوان الحزن!

– آه أعني أشفق عليك، حسنًا؟
-الشفقة م…

– من أحفاد الحزن، حسنا كفى، كفّي أرجوكِ، يا إلهي انظري إلى تعابير وجهك المستفزة.
– ههه إنني مبتسمة، أحكي عن الحزن بابتسامة، أما أنتِ -يا رب يوسف الجميل- ما أقبحها وهي عابسة!

-لأنك أثرتِ غضبي.
-العبوس…

-حزن، حزن.. يا إلهي أتتحدثين معهم هكذا دائمًا؟
-لا، ليسوا بحاجة إلى كل هذا، هم يدركون حزنهم، يعترفون به، أما أنتِ فعلى الرغم من تكدس المآسي وتراكم الصرخات بداخلك إلا أنتِ مصرة على مجادلتي.

-دعيني وشأني.

-تصبحين على وجهي، الحزين، الضاحك ههه.

-اغربي عن وجهي!