[ الفلسفة طريق الإلحاد ]


لطالما كانت الفلسفة موضوعًا مثيرًا للجدل، وما زال هناك إلى اليوم من يعتقد أن لا فائدة منها، والاتهامات الملصقة بالفلسفة أو مفهومها كثيرة، أشهرها أنها سبيل للزندقة.

هل الفلسفة طريق الإلحاد ؟

طُرح هذا السؤال في أحد مواقع التواصل الاجتماعي ووجدت أن الإجابة عليه إن كانت مختصرة فتحتاج إلى شرح عدة نقاط للوصول إلى خلاصة واضحة قد تُختصر في جملة واحدة.

بدايةً، لا أعتقد أن أي نوع من أنواع العلوم الإنسانية أو الطبيعية هو بذاته طريق إلى الإلحاد، فالوصف هذا يشير إلى أن قراءة كتاب واحد في الفلسفة هو خطوة أولى باتجاه الإلحاد. لذا سأغير صيغة السؤال وأسأل:

هل الفلسفة تحيد المرء عن اعتقاده الديني؟

بمعنى هل اطلاع الملحد على الفلسفة يقوده للإيمان بوجود الخالق؟ هل اطلاع المؤمن على الفلسفة يقوده إلى إنكار وجود الخالق؟ وهكذا.

ما معنى الفلسفة؟

في تدوينة سابقة بعنوان العلاقة بين الفلسفة والحكمة بحثًا لغويا بسيطًا تطرقت فيه إلى معنى كلمة الفلسفة. باختصار هذا المصطلح يعني في الأصل حب الحكمة، وللحكمة أربعة معانٍ، العلم والعلة والعدل والكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه، ووضحت عندها أن العلم والعلة فقط يتوافقان مع معنى الفلسفة، لكني سآخذ هنا العدل أيضًا بعين الاعتبار. بتعبيري عن العلم بالعلم والعلة بالبحث عن الأسباب والعدل بالقانون.

على افتراض أن الفلسفة تعني حب العلم أو حب القانون أو حب البحث عن الأسباب، أرى أن نسبة تأثير الفلسفة على اعتقاد الفرد الديني تعادل نسبة تأثير كل من العلم والقانون والبحث عن الأسباب عليه، ولكي يؤثر كل مما سبق على اعتقاد الفرد الديني بطريقة تحيده عنه يشترط وجود أربعة عوامل:

1- الشك:

يجب أن يوضع الشك بعين الاعتبار، فلا يمكن لأي شيء يقرأه الإنسان أو يسمعه أو يراه أن يؤثر على اعتقاده الديني ما لم تكن في أعماقه نسبة شك تجاه هذا المعتقد، فالشخص المؤمن تمامًا بفكرة ما يبعد جدا عن الميل عنها.

2- التعمق:

إن الجانب الديني لدى الإنسان فكريًّا وروحانيًّا عميقٌ جدا، يرتبط به ارتباطًا قويًّا يحيل على الأفكار المختصرة فكّه. لذا فلا يمكن أن يمس اعتقاد الإنسان الديني مجرد الاطلاع على الفلسفة أو العلم أو القانون أو الأسباب.

لكي تؤثر فكرة ما على جانب متأصل في الإنسان -كمعتقداته الدينية- عليها أن تكون عميقة، أما الإطلاع فلا يوصل ولا يكوّن أفكارًا عميقة من شأنها أن تحيد الإنسان عن اعتقاده.

3- معارضة المعتقد:

لكي يؤثر فكر ما على اعتقاد الإنسان الديني، لابد وأن يكون معارضًا ولو بنسبة بسيطة لمعتقده، يختلف إيمان الفرد منا عن إيمان الآخر حتى وإن كان على نفس المذهب، ونسبة الشك إن تشابهت فقد تختلف في نقطة الشك، قد يؤمن مسلم ما إيمانًا تامًا بعقيدته لكنه يشك ببعض الأمور الفقهية، وآخر يشك بالأمور الفقهية المتواترة غير المنصوص عليها وآخر يشك بالأمور الفقهية المنصوص عليها في الأحاديث لا في القرآن، وآخر قد يؤمن بكل ما وصله من الكتاب وعن الرسول ولكنه يحمل نسبة شك تجاه وجود حساب بعد الموت. كل منا يختلف في درجة إيمانه ونسبة شكه وتفاصيل معتقداته الدينية عن الآخر، ولكي تؤثر فكرة عميقة ما على اعتقاد أي شخص يجب عليها -بوجود نسبة الشك- أن تلامس ما يعتقده، فقد يتأثر المسلم المعتقد تمامًا بإسلامه غير أنه يشك بنسبة ما في موضوع الحياة الآخرة، بمذهب فلسفي يغذي شكه في الحياة الآخرة.

4- نزعة التطرف:

إن مظاهر التطرف كثيرة، منها التطرف الديني والتطرف السياسي وغيرها، ودرجاتها تختلف، فقد تصل إلى معاداة كل مخالف في الاعتقاد -كما هو حال الإرهابيين- وقد لا تصل إلى ذلك وتكتفي بجوهر وأساس التطرف ألا وهو أن لا يؤمن الشخص إلا باعتقاد واحد ولا يقبل سماع اعتقاد آخر ولا يأخذ أي اعتقاد مخالف بعين الاعتبار.

لكي يؤثر تعمق الإنسان في الفلسفة على اعتقاده الديني لابد من وجود نزعة التطرف لديه، ولا أقصد هنا أن يكون مطرفًا في معتقده، أي لا أقصد بالضرورة أن يكون -مثلًا- السني متطرفًا أو الكاثوليكي متطرفًا أو اللاديني متطرفًا، بل أقصد وجود الميل إلى التطرف لدى هذا الإنسان، أيًّا كان معتقده الديني.

بمجرد أن تكون لدى الفرد نزعة التطرف، فإن تعمقه فيما يخالف اعتقاده الديني من فلسفة (أو علم أو قانون أو…) تعمّقًا تطرفيا قد يقوده إلى الميل عن اعتقاده، والسبب في ذلك أنه بمجرد أن يجد ما يغذي شكه في قانون علمي أو تيار فلسفي قد يعجب بالأفكار الأخرى التابعة لهذا العلم أو لهذه الفلسفة أيًّا كانت، ويتطرف في تياره الجديد فلا يقبل النظر في غيره ثم يبدأ بقبول كل ما فيه حتى يتغير ربما اعتقاده الأساسي.

لذا إن كان هناك عالم أحياء مهتمًّا بعلم الآثار، مؤمن بالخالق وبديانة سماوية ولكنه يشك في قصة خلق آدم، قد يؤدي تعمقه إلى الإيمان بنظرية التطور لدارون ثم إن تطرف في ذلك قد يؤثر ذلك تدريجيا على إيمانه بوجود خالق وميله إلى التيار الطبائعي أو الصدفي. وإذا كان هناك طبيب مهتم بعلم الأمراض مثلًا، لاأدريّ المذهب، واكتشف أو واجه ما يشير إلى وجود إله، فقد يميل عن اعتقاده الديني ويؤمن بوجود الخالق. والأمثلة لا حصر لها.

خلاصة القول، إن الفلسفة وغيرها لا احتمالية لتأثيرها على اعتقاد الإنسان الديني إلا بوجود عوامل أربعة: الشك، والتعمق، ومعارضة الاعتقاد، ونزعة التطرف.

لذا فلن تخرج الفلسفة الإنسان عن اعتقاده الديني إلا إذا كانت لديه نسبة من الشك في معتقده وتعمق تعمقًا تطرفيًّا فيما يلامسه ويعارض اعتقاده ولكنه يغذي شكه بطريقة ما.