[ ذكرَ فتذكّرَ واستذكر ثم ذاكر ]

تتشابه علينا بعض الكلمات، ندركها متفرقةً وما إن اجتمعت حتّى احترنا في فهمها؛ على سبيل المثال، هذه الجملة والتي تحمل أربعة أفعال منحدرة من الجذر نفسه ( ذَكَرَ ) : ” ذكرتُ أخي فتذكّرتُ أبي واستذكرتُ ما يجمع بينهما من الصفات ثم ذاكرتها مع أمي “، لو سُئِلنا عن معنى كل فعل فيها لوجدنا أننا لا نجد اختلافًا كبيرًا بينها، ولكن ولأن اللغة العربية كما وصفها الكتّاب بالبحر، ينبغي على الصياد ( أو المهتم باللغة العربية ) – سواءً أكان كاتبًا أو قارئًا أو مدقّقًا أو مترجمًا أن يبحر في أعماق اللغة العربية لي ليدرك الفرق بين المرادفات المتجانسة أو المتشابهة أو المنحدرة من أصل واحدٍ.

نستخلص لكم هنا نتيجة البحث عن المعاني الأربعة بعد الاطلاع على بعض المعاجم العربية وقراءة بعض الأمثلة على استخدام كل من هذه الكلمات بتصاريف مختلفة.

لغةً، قد يأتي معنى الاستذكار مشابهًا لمعنى المذاكرة إلا أن الاستذكار يكون للحفظ ( مثلما نستذكر القرآن )، والمذاكرة تكون للفهم ( مثلما نذاكر الدرس قبل حضوره )، أيضًا قد يأتي الاستذكار مشابهًا في المعنى للذكر، فنقول : ” استذكرنا فُلانًا أو ذكرنا فُلانًا “؛ ولكن الفرق هو أن الاستذكار يكون بمثابة سرد للمحفوظ ( كأن نعدد أسماء المدن أثناء حديث ما )، والذكر يكون لمقتضى الحديث ( كأن نذكر مثالًا للتوضيح أو غيره ).

نشير هنا إلى أن جميع ما سبق ينحدر من جذر ( ذَكَرَ )، لذا فقد تجيء بعض هذه الكلمات مكان الأخرى أو بمعناها؛ أي أن الكلمات قد تترادف متفرقة؛ ولكن متى ما اجتمعت وُجب التفريق بين معانيها.

فنقول: ” ذكرتُ أخي فتذكّرتُ أبي واستذكرتُ ما يجمع بينهما من الصفات ثم ذاكرتها مع أمي “، أي : تحدثت فتضمن حديثي أخي فطرأ أبي على بالي، واسترجعت ما يجمع بينهما من صفاتٍ ثم تبادلنا -أنا وأمي- الحديث عنها.

هذا والله أعلم !

[ كتاب| أسرار المعتقدات الشعبية ]


(أسرار المعتقدات الشعبية)

الطبعة : الأولى
المؤلف : مركز الدراسات والترجمة
دار النشر : دار روافد
التقييم : * * * * *
يبدو لي أن الكتاب كان عبارة عن بحث جامعي لطالبٍ ما، أخفى اسمه ليُضَم الكتاب تحت جناح “مركز الدراسات والترجمة“ لدار روافد.
هذا الكتاب الجميل هو أحد الكتب التسعة لسلسلة أسرار، وقد تناول بين دفتيه تعريفًا عن الخرافة ونشأتها، والبدائية، وبعض المعتقدات الشعبية التي عد منها المؤلف العلاج الروحاني والأحجار، والزار وغيرها من محاور الإعتقاد الشعبي.
ما جذبني في الكتاب هو تشعّب الفكرة إلى فروع دون خروجها عن الفكرة الرئيسية والمحور الرئيسي للبحث، ومن الجميل فيه أنه قابل للإضافة والتعديل والانطلاق منه لبحث جديد لما فيه من الأمور المثيرة للفضول والجدل والدهشة!
كما راقت لي سلاسة التعبير والأسلوب الممتع، إلى الدرجة التي لم تُخلق فيني الرغبة في التوقف عنه إلا بحكم الظروف، فمقارنة بالكثير من الكتب قرأته في فترة قصيرة.
هناك نقطة واحدة أعارض المؤلف (أو الباحث) فيها، وهي اعتبار بعض الطقوس الدينية في الإسلام والنصرانية كمعتقدات شعبية ذكرها ضمن أساطير ومعتقدات رجعية وبدائية لمختلف الشعوب؛ فأغلبها يظل محل “تقديس“ أو “احترام“ لا يصح وصفه بالمعتقد وإن كانت خلف ممارسته في الحقيقة “اعتقاد“؛ إيمان.
في نهاية الكتاب أوجز المؤلف صفات الشخص الخرافي (أي المؤمن بالخرافات)، وبعض الأسباب التي من شأنها أن تضيّق إطاره الفكري -المفصّل في كتاب خوارق اللاشعور للدكتور علي الوردي.

ورغم اعتراضي البسيط أعلاه وتحفظي على بعض النقاط بين الأسطر إلا أني أقيّم الكتاب ككتاب ممتاز (٥/٥)، وأنصح كل من تثير اهتمامه مثل هذه التأملات في الحضارة والفلسفة بقراءته.

١٩ مارس ٢٠١٦


[ العلاقة بين الفلسفة والحكمة ]

الفلسفة في لفظها تعود إلى كلمة إغريقية من جزأين ( فيلوسوفيا ) ؛ فيلو- وتعني محبة أو حب ، سوفيا – وتعني الحكمة . ولو عدنا إلى معنى الحكمة في معجم الوسيط سنجد عدة معانٍ لها ، منها ما يتعارض مع معنى الفلسفة المعروفة ومنها ما يتوافق معه .
مما يتوافق مع معنى الفلسفة :
العلم :

فالعلم هو المعرفة ، والفلاسفة لا يعملون عقولهم تساؤلًا وبحثًا وتحليلًا إلا سعيًا وراء المعرفة في أًصل كل الأشياء . والعلم إدراك الشيء بحقيقته ، وكذلك الفلاسفة يحاولون إدراك حقيقة الأشياء . والعلم هو اليقين – أي انقطاع الشك – وما الفلسفة عملية تعتمد على الشك للوصول إلى اليقين.

وصحيح أن الفلاسفة يختلفون عن العلماء ، ومخرجاتهم أقل ثقة من مخرجات العلماء ، لكن ذلك لا يدل على اختلاف معنى كلمة الفلسفة ( الحكمة ) ومعنى العلم ، إنما العلماء يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على التجربة والتطبيق واختبار الفرضية ، أما الفلاسفة فلا اعتماد لهم على ذلك بقدر اعتمادهم على تحليلات عقولهم وحدسهم الخاص .
العلة :

فالعلة تعني السبب ، وأفكار الفلاسفة دائمًا ما تجري خلف إيجاد واستكشاف الأسباب والتوصّل إلى أكثر الاسباب اقناعًا – لهم على الأقل – . والعلة تعني المرض الشاغل ، والكثير من الفلاسفة نجدهم مهووسون بفلسفاتهم ومناهجهم في إخراج فلسفاتٍ خاصة بهم ، محاولين سد باب التساؤلات المتزايدة في عقولهم حول الأشياء بإيجاد ما يفسّرها كفايةً .
ومما يتعارض مع معنى الفلسفة :
العدل :
والعدل في اللغة العربية ضد الظلم ، والظلم من معانيه وضع الشيء في غير محله ، وإن جئنا للفلسفة ونظرنا إلى مخرجاتها ومناهج الفلاسفة فيها ، سنجد مناهجًا ونتائجًا واضعةً الأشياء في غير محلها ، فللعدل وجه واحد وهو الإنصاف بدقة ، وللإنصاف شرط حتى يتم ، وهو وجود الدلائل والبراهين ، واختلاف الفلاسفة – على سبيل المثال – في أصل الإنسان يدل على إخلالهم بمسألة العدل ، وبالتالي فإن الفلسفة المتعارف عليها – من هذا المنظور- لا تعد من محبة الحكمة.
الكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه :
وقلة اللفظ تعني الإيجاز ، وجلالة المعنى تعني قوته وعظمته ، وهذا معنى آخر من معاني الحكمة يخالف معنى الفلسفة المعروفة ، فالفلسفة وإن عظمت معانيها إلا أنها ما كانت يومًا موجزة ، فإن أطلق محبو الفلسفة كلمة فيلسوف على إنسان ما ، فقد أطلقوها لمخرج مطول مشروح بتفاصيل كثيرة ، تبين بدقة ما توصل إليه في فلسفته.
ومن هذه المعاني الأربعة للحكمة نجد أن الفلسفة المتعارف عليها – وإن كانت تتطابق مع معنى الحكمة في العلم والعلة – إلا أن تعارضها مع معنى العدل والإيجاز يظهر بأن مصطلح الحكمة إغريقي الأصل ( الفلسفة ) ليس مناسبًا لما اشتُهِر يبننا كعلم الفلسفة ، أو أن أقسامًا معارضة لمعنى الحكمة أصبحت دخيلة على علم الفلسفة ، رغم خلوها من المعنى الصحيح للحكمة ، ونظرًا لذلك قد نطلق على الحكيم فيلسوفًا لمحبته للحكمة علمًا وعلة ، ولكن من الخطأ أن نطلق على الفيلسوف حكيمًا لفقده الإيجاز والعدل في مخرجاته الفلسفية .

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑