[ البيت الذي كبرت فيه ]

47C7E9BD-A992-4112-87B0-14D6F05F6FAA-285x300.jpg

ترجمتي عن الفرنسية بتصرف بسيط
لكلمات أغنية فرنسواز هاردي:
( المنزل الذي كبرت فيه )


عندما أعود لذكرياتي،‬
‫أرى البيت الذي كبرتُ فيه،‬
‫فتلحقه عدة أمور،
‫كأن أشاهد حديقة الزهور.‬

‫في تلك المدينة‬
‫حيث عاشت الأشجار،‬‫
حيث منزلي،‬
‫حيث نمت الأزهار،‬
‫لم يعد شيئًا منها حيث كان.‬

‫دائمًا ما كان أصدقائي يضحكون،‬
وعندما ألعب..‬
‫ببراعة معي يلعبون،‬
‫لكن كل شيء ينتهي،‬
‫فكان لابد لي من الرحيل.‬

‫عندها امتلأت بالدموع العين‬
‫سألوني الأصدقاء: “لمَ تبكين ؟”‬
‫قالوا: “إن اكتشاف العالم‬
‫أجمل من البقاء على حالٍ إلى الأبد.

‫إن اكتشافه‬
‫كشروق يكشف الليل عن المدينة،‬
‫يطلعك على ما لم تريه بعد. “‬

‫عندما تركتُ زاوية طفولتي،‬
‫كنت قد أدركتُ بأنني تركت فيها قلبي.‬

‫كان أصدقائي يغبطونني على حظي‬
‫بينما كنت أطمع بالسعادة التي بين أيديهم‬
‫طامعةً حتى بالهموم التي تضحكهم‬

‫وكأني أسمع صوتي يعدهم:‬
“سأعود يومًا ما،‬
‫في صباحٍ صحوٍ،‬
بين ضحكاتكم.‬

‫أجل،‬

‫سأستقلّ أول قطار،‬
‫يومًا ما،‬
ليعود بي إلى ذكرياتي معكم.”‬

‫مضى الوقت،‬
‫وهأنذا عدت من جديد،‬
‫لأبحث بلا جدوى‬
عن المنزل الذي أهوى..‬

‫أين ذهبت الأحجار ؟‬
‫أين تلك الأزهار ؟‬
‫أين كل ما أتيت من أجله ؟‬

‫لا أثر لتلك الأشياء،‬
‫ولا أثر للأصدقاء،‬
‫فقد سرق منهم آخرون منازلهم..‬

‫هناك..‬
قد عاشت الأشجار..‬
‫في تلك المدينة..‬

‫أما المنزل..‬
‫فأين هو ؟‬

‫ ‬‫حقًّا…‬
‫لستُ أدري أين البيت الذي كبرتُ فيه.‬
من يدلني على بيتي ؟‬


كلمات: إيدي مارنيه
غناء: فرونسواز هاردي (1966م)
ترجمتي بتصرف


للاستماع إلى الأغنية 

[ كشّر وقهقِه ]

     كثيرًا ما تنتابنا مشاعر ولا نستطيع إخفاءها، وقد نرى البعض في ابتهاج دائم على الرغم مما يخالجهم ونتعجب من ذلك، إن ملامحنا إن لم تعبر عن شيء -أي تعابيرنا المحايدة- تعطي صورة سلبية عن مكنوننا، وتكون وسيلة لتسهيل وقوعنا في الطاقة السلبية، كلما اعتدنا على رؤية اللاتعبير مهدنا الطريق للبؤس أو الضجر أو الحزن، لكننا في الوقت ذاته كنا -كمتبلدين- أقرب من الحزين إلى السعادة برأيي.

     في أحد الأيام قيل لي أني دائمًا ما أبدو بائسة، مقطبة الجبين، هذا ما ظن أحدهم أنه يراه كل يوم، ولكن الحقيقة هي أني كنت غالبا ما لا أظهر إلا بتعبير اللاتعبير -كما أحب تسميته- حيث يتساوى حاجباي ويستقيم خط شفتيَّ ويخلو وجهي من التجاعيد الضاحكة والباكية، وقد أكون عندها سعيدة وأحسبني أظهر ابتسامتي ولكنها لا تظهر.

     قررت عندها أن أتقمص في اليوم التالي “حالتي الحقيقية”، أعني أن أظهر حقيقة مشاعري على وجهي، فأبالغ -إن كان ذلك يعني المبالغة- في رد فعلي التعبيري.

     استيقظت، متفائلة -ككل يوم- بيوم جميل، لكن الفرق هذه المرة هو أني عندما نظرت إلى المرآة لأرى وجهي وجدته على الرغم من كونه غير متشائم إلا أنه غير متفائل أيضًا، فابتسمت، ابتسمت ابتسامة لائقة، وحرصت على ألا تزول، فصرت بشكل لا إرادي عندما أنظر إلى ما أحب أبتسم ابتسامة أكبر، وانعكس ذلك على الآخرين حيث صار من السهل عليهم الحديث معي عن أي شيء.

     وأحيانًا أمر بيوم روتيني لا سوء فيه إلا الروتين نفسه ولا حسن فيه غير أنه ليس سيئًا ! وأكون عندها بحاجة لأن أفرغ طاقتي في شيء ككتابة -على سبيل المثال- نص حزين، فأتقمص الحزن على الرغم من الراحة لأستحضر فكرة تلهمني.

     تمثيل الشيء قبل حدوثه ليقع، قد يكون أحيانًا فكرة سليمة، افتعل ما ليس حقيقيًّا حتى وإن كنتَ لا تشعر بعكسه، وإن كانت مشاعرك مستقرة إلى درجة التجرد من التصنيف، عندها فكر فيما تود أن تشعر به وجرب أن تتقمصه.

     برأيي أن أفضل حال لتحديد المشاعر أو للتظاهر بالمشاعر حتى تقع هو حال اللاشيء، حال التبلد، فهو طور مناسب لتبديله إلى حال تختاره بنفسك وتحول إليه باطنك وكل ما حولك، وبرأيي أن المقدرة على تبديل مشاعرك متى ما أردت تجعل منك شخصًا مرنًا، ذا ذكاء عاطفي، قادرًا على التحكم بمشاعرك ومزاجك والخروج من أسوأ طاقاتك إلى أحسنها.

     “كشّر وقهقه” بيدك حالُك.

[ باقة البؤساء ]

نفسي تتأرجح كبهلوان على حبلٍ معلّق، نوبات من عدم الاتزان تزورني باستمرار، لا تنم عن الضعف ولكنها فطرة الإنسان.

لو نظرت إلى وجهي لقرأت اضطرابي، هذا الشحوب يحدثك عن قلق انتظاري، والهالتان تشيران لك إلى قلبي، ولو نظرت إلى غرفتي لوجدها تتكئ بجانبي على فراش نومي، كما لو كانت هناك لتعانقني ليلًا نهارًا، أما تكدس كتبي بلا ترتيب يخبرك عن حال أفكاري، وقوارير العطر المترامية في أرجاء الغرفة تدلك على وضع مشاعري.

يا لها من مشاعر كريمة، تصطحب معها في كل مرة “باقة البؤساء”.

تعريف “باقة البؤساء”: هي مجموعة مركبة من المشاعر المتناقصة والتي يسودها اللون الرمادي، والأفكار المتناقضة أيضًا، و.. حسنًا أيضًا تتلون بالرمادي، تجيء ثائرة في وجهي على الحياة، تصير لي انعكاسًا كالمرآة، لتبصرني مدى رتابتي وفتوري، وتصفعني صفعة توقظني ولو بعد حين، محملة برسالة تطلبني البحث عن السلام بداخلي وصنعه من حولي -فقط السلام-، لتنهال علي البركات، والمعجزات…

كم أنا بحاجة إلى صمتٍ يكمكم فاهي.

[ بلا إحساس ]

لا تجعل رضا الناس غاية فإنك لن تدركها مهما فعلت، كل إنسان كان قادرًا على الخروج من مآزقه ولو بعد حين اتركه ليعيش تجاربه وحده.

إن الناس معظمهم مصدر ألم، إن حميت قلبك منهم اغتصبوه، وإن رددته عنهم اغتالوه، وإن فتحت لهم أبوابه استقطعوا منه أجزاءه الواحد تلو الآخر ثم ألقوا ببقاياه البالية بين يديك ورحلوا.

هؤلاء قد يطلبون منك ترتيب فوضاهم وإن وقيتهم شر فوضاك لا يلحظون، ما دمتَ لم ترمم ما تهدّم من حيواتهم فأنت بالنسبة إليهم “بلا إحساس”، لا ينتبهون إلى أنهم لم يلقوا نظرة على حياتك ليطمئنوا على حالك.

استمر في القراءة “[ بلا إحساس ]”

[ خطوة مرتعشة ]

تسيطر عليك المخاوف لفترة ليست بالقصيرة
حتى تخالها نالت تمام النيل منك
لكنك تتفوق عليها مرة وتركلها بعيدًا عنك.

تستعيد قواك
تلملم شتاتك
تتمالك نفسك من جديد
ثم تقضي أيامك مرتاح البال
إنسانًا صلبًا لا تساوره الشكوك ولا يهدده القلق
والخوف في حياته قد صار من الماضي.
وما إن تتخذ أكبر خطواتك
حتى ترى الخوف قد بُعث يسابقك إلى الأهداف
يتربص بك طوال الطريق
ويذكرك بلحظات الضعف تلك
يذكرك بهشاشتك
يذكرك بأصل خلقتك
يذكرك بكل نقاط ضعفك
بدءًا من البكاء في وجه الحياة وليدًا
وحتى احتضان الأرض لك ميتًا.

[ أبله ]

كل شيء سينتهي، أعلم ذلك فلا شيء دائمٌ في هذا العالم..

لكن مرحلة التعلق بين شيئين، بين نقطتين، بين حالتين، بين فكرتين، مرحلة الانتظار، مرحلة التوقف عن النمو الإيجابي، مرحلة التوقف عن التقدم والتراجع في الوقت ذاته، هذه المرحلة المملة الكئيبة لا تُطاق يا حبيبي بمختلف تفاصيلها.

أما التجاهل، فأيًّا كان المقصد منه،

هذا التجاهل – كغلاف، كسطح، كقناع، كواجهة، كمقدمة، كستار – لظالمٌ جبّار !

يصيب قلبك بكدمات متلاحقة تنافس الانتظار، لتقف أمامهما كائنًا رثًّا ممزق الكساء مبعثر الشعر وملامحه -رغم فظاعة حاله- تكسوها البلاهة؛ مغيبًا عن الدنيا وكأنه لا يتربع في قلبها.

[ فقد ]

الفقد مرير، وإنه لواقع لا يحتاج لتكرار هذه العبارة في كل مرة على لسان ضحية أخرى للفقد، إن مرارة الفقد واقع لا يحتاج إلى تمثيل.

يسرق منك الموت أحدهم فتكتشف أن شكواك الماضية لم تكن إلا تذمرات طفل لم يدرك من كبد الحياة مثقال ذرة، تتلقى الصدمة بضعف كبير، ثم تضعف أمام انتظار صدمة مماثلة تُفقدك شخصًا أقرب إليك من فقيدك، تخاف، تخاف الغد حتى يصيبك التبلد، تتبلد وتقف على بعد خطوة واحدة من المفاجأة القادمة، تستعد للأسوأ، لأنك لم تستعد من قبل للأقل سوءًا.

ربما البعد المنتهي بلقاء لا يستحق البكاء، ربما البعد مرجو اللقاء من بعده لا يستحق الألم، فإنك إن فقدت ميتًا لن تظن بعد ذلك حزنًا.

إن هذا العالم معجونٌ من الفقد، ومبنيٌّ على المسافات، ومفطورٌ على النهاية.