[ لا مفرّ ]

     

أنا وأنتَ روحٌ واحدة وجسدٌ واحد، تتشابك أفكارنا
وتتعانق مشاعرنا.

أنا وأنتَ لا ننتمي إلى هذه الأرض الخاوية من كل شيء
إلا الحرب.. حرب بقاء الأقوى رغم أنف الضمير..

      أنا وأنتَ نبدو كما لو كنا من حميم الشمس وصخورالقمر
ومحيط نبتون..
 ثغرك الغيم لبساتين خدي،
وصوتك هدير قلبي ورعده،
وعينك السماء وعيني الأرض..
حضنك أمّي وظهرك أبي..

      نحن كتاب فيلسوف عظيم جمع بين دفتيه علوم
الدنيا وآدابها وفنونها، كتابٌ ينفر منه الرجعي
ويخشاه الإمعة ويبصق في وجهه المتنطعون..

      أنا وأنتَ هالةٌ لا ظلّ لها، كلمة موجزة، ضحكة أبدية، رقرقة لا يتبعها حزن..

      أنا أنتَ وأنتَ أنا، بلا مفر..

[ حزين ]

الحزن من أسوأ الأمراض التي تتخلل كل جزء منا ولا تنفك عنه إلا بكدمات تكاد تقضي علينا .

هناكَ خطوة واحدة بينَ حزنك وحزن الآخرين، وهي المشاركة، أحيانًا تكون حزينًا وتسعى جاهدًا إلى تناسي الحزن وتجاهله، ولكن ما إن يبوح لكَ شخص ما بحزنه حتّى يتضاعف حزنك إلى حزنين، وكلما زاد عدد الحزناء كلما ازداد حزنك، حتّى تصبح نسخة مصغّرة من الحزن نفسه .

الألم الذي يسببه الحزن لا يمكن لمسه، أو تذوقه، أو سماعه أو رؤيته ، تمامًا كأي ألمٍ، ولكن ألم الحزن يفوق كل الآلام حينَ لا تستطيع وصفه.. وصف الحزن وآلامه يختلف من حزينٍ إلى آخر، قد تقول أنه كسكين يمزق أحشائك، وقد يقول الآخر أنه كقبضة على قلبه …

الحزن كائن فوضوي، هادئ كهدوء ما قبل العاصفة، ولكنه أهدأ منها، فعلى الأقل ذاك الهدوء يثوّر القطط والطيور وبعض الكائنات وكأنها تنبئنا بكارثةٍ، ولكن الحزن هادئ ماكر خبيث لا يظهر لكَ رأس ناب من أنيابه، وينقض عليك في غفلةٍ منك، وفي ضعفٍ لم تكن لتلحظه لو لم تكن وحيدًا أو على الأقل تستشعر الوحدة .

الحزن مشوّش ولكنه ناصع واضح صريح مخلص جدًّا، ويبالغ في إخلاصه .

كلما حزنت شعرتُ وكأن جزءًا مني يضيع إلى الأبد دون عودة، ولا أستطيع استبداله، ولكنّي أحرص كل الحرص على الحفاظ على ما تبقى مني من أجزاءٍ كما لو كنتُ أحجية الصورة المقطوعة التي يزول جمال اكتمالها كلما نقصت منها قطعةً حتّى تصير غير مرغوبة أبدًا وبلا هدف .

إنه لأمر يخجلك من نفسك حين يكون أحدهم سبب حزنك، بعد أن تقطع أشواطًا من العذاب والخيبات والدروس، وتقطع على نفسك وعدًا معنويًا بأن لا تسمح لأحدٍ بأن يكونَ مؤثرًا عليك بشدة، فلا يكون أحدهم سبب فرحك، إلا أنت، وما هم سوى حُلي يزيدون فرحتك تألقًا، ولا يكون أحد سبب حزنك إلا ما لا يتعلق ببشر أبدًا، وما هم سوى مستمعين أو متفرجين لا يد لهم في أحزانك، ومن ثم تجد أنك كنتَ الخائن الأكبر لوعودك والفاشل الأول في مهامّك وتقع على ركبتيك مجثيًّا مهانًا تتألم بصمتٍ من أعماقِ أعماقك وتعترف بفمٍ يمتلئ آسفًا بأن أحدهم قد تسبب في حزنك الأسود .

أي إنسانٍ قد يراكَ بهذا الحزن ولا يتوقف عن ممارسة حياته بكلّ أريحية كما لو كنتَ مجرد غطاء زجاجة دهسه دون أن يلحظه ؟ بل أظنه هو الطبيعي بالفعل وما الغبي إلا ذاك الحزين الذي يعلّق عليه أسباب حزنه ويسهر الليل بائسًا في فمه ماء، جبانًا لا يجرؤ على البوح فقط خشية الخطأ في اختيار الزمان والمكان وجمل العتاب الممكن سردها .

هُراء، كومة هراء، الحب والحزن والشوق والغربة والفقد والألم كلهم هراء، بل إنهم أكثر واقعية منكَ، أنتَ وحدك هراء وهم الحقائق كلها، أنتَ وحدكَ وهمٌ مزيّن بربطة عنقٍ شانقة وهم المرتكزة أقدامهم في هذه الدنيا من قبل أن تلد وحتى بعد أن تفنى .

ابصق حزنك، أو دع الحزن يبصقك إن لم تكن أهلًا لمقاومته .

وداعًا !

29 يناير 2017


[ ما الأمر ؟ ]


يا تُرى ، ما الأمر ؟
للحظة، انتبهت لجلوسي خالية اليدين،
مستلقية،
أستمع إلى الموسيقى لساعاتٍ دون فعل شيء .
وفي ليلة سابقة،
وصلت إلى الورقة الأخيرة من كتاب كنت قد بدأته قبل ساعة من إنهائه .
وأجدني أصبحت أنزوي لأيامٍ على فراشي،
ولا أرغب الحديث مع أحد إلا لحاجةٍ لي؛
وكأن نفسي تطالبني بحقها في الاختلاء .
وأراني بدأت أعود إلى الرسم بالألوان؛
على الرغم من أني لم أعد أستمتع بتأمل لونٍ غير الرمادي،
وصرت أحلم بتفصيل ممل لرسماتٍ أبدؤها وأكملها قبل استيقاظي !
عدت إلى السهر،
ولكنه خلا هذه المرة من القهوة .
وعدت أتنفس بعزّة وقوّة رغم حاجتي أحيانًا إلى البكاء .
لقد قلّ كلامي،
وصارت ضحكتي أكثر هدوءًا،
وأصبح يطيب لي النظر إلى وجهي،
دون تصنّع الابتسامة .
حقًّا، ما الأمر ؟
٢٦ مارس ٢٠١٦

[ فتّش ]

إن احترتَ في وصفِ نفسك
أو أضعتَ ماهيتك
أو إن فقدت القدرة على تأمل جوهرك …

فتّش عن الأشياء التي تأبى هجرها
فتّش عن كل ما اعتدت على العودة إليه ؛

ذاك الكتاب الذي لا تملّ قراءته
أو كوبك الذي تتأنق فيه قهوتك
أو حتى لون يخطف من كلٍّ لونٍ نظرتك ..

أو ربما الليل الطويل
نور الضحى
لون الفجر
ذوبان شمع ينتظر
عطر يثوّر دمك ..

فتّش لتعلم أين أنتَ وكيفَ كنتَ وماذا صرت
فتّش لتهدأ نفسكَ
لتغوضَ داخل جوهرك .