[ الفلسفة طريق الإلحاد ]


لطالما كانت الفلسفة موضوعًا مثيرًا للجدل، وما زال هناك إلى اليوم من يعتقد أن لا فائدة منها، والاتهامات الملصقة بالفلسفة أو مفهومها كثيرة، أشهرها أنها سبيل للزندقة.

هل الفلسفة طريق الإلحاد ؟

طُرح هذا السؤال في أحد مواقع التواصل الاجتماعي ووجدت أن الإجابة عليه إن كانت مختصرة فتحتاج إلى شرح عدة نقاط للوصول إلى خلاصة واضحة قد تُختصر في جملة واحدة.

بدايةً، لا أعتقد أن أي نوع من أنواع العلوم الإنسانية أو الطبيعية هو بذاته طريق إلى الإلحاد، فالوصف هذا يشير إلى أن قراءة كتاب واحد في الفلسفة هو خطوة أولى باتجاه الإلحاد. لذا سأغير صيغة السؤال وأسأل:

هل الفلسفة تحيد المرء عن اعتقاده الديني؟

بمعنى هل اطلاع الملحد على الفلسفة يقوده للإيمان بوجود الخالق؟ هل اطلاع المؤمن على الفلسفة يقوده إلى إنكار وجود الخالق؟ وهكذا.

ما معنى الفلسفة؟

في تدوينة سابقة بعنوان العلاقة بين الفلسفة والحكمة بحثًا لغويا بسيطًا تطرقت فيه إلى معنى كلمة الفلسفة. باختصار هذا المصطلح يعني في الأصل حب الحكمة، وللحكمة أربعة معانٍ، العلم والعلة والعدل والكلام الذي يقل لفظه ويجل معناه، ووضحت عندها أن العلم والعلة فقط يتوافقان مع معنى الفلسفة، لكني سآخذ هنا العدل أيضًا بعين الاعتبار. بتعبيري عن العلم بالعلم والعلة بالبحث عن الأسباب والعدل بالقانون.

على افتراض أن الفلسفة تعني حب العلم أو حب القانون أو حب البحث عن الأسباب، أرى أن نسبة تأثير الفلسفة على اعتقاد الفرد الديني تعادل نسبة تأثير كل من العلم والقانون والبحث عن الأسباب عليه، ولكي يؤثر كل مما سبق على اعتقاد الفرد الديني بطريقة تحيده عنه يشترط وجود أربعة عوامل:

1- الشك:

يجب أن يوضع الشك بعين الاعتبار، فلا يمكن لأي شيء يقرأه الإنسان أو يسمعه أو يراه أن يؤثر على اعتقاده الديني ما لم تكن في أعماقه نسبة شك تجاه هذا المعتقد، فالشخص المؤمن تمامًا بفكرة ما يبعد جدا عن الميل عنها.

2- التعمق:

إن الجانب الديني لدى الإنسان فكريًّا وروحانيًّا عميقٌ جدا، يرتبط به ارتباطًا قويًّا يحيل على الأفكار المختصرة فكّه. لذا فلا يمكن أن يمس اعتقاد الإنسان الديني مجرد الاطلاع على الفلسفة أو العلم أو القانون أو الأسباب.

لكي تؤثر فكرة ما على جانب متأصل في الإنسان -كمعتقداته الدينية- عليها أن تكون عميقة، أما الإطلاع فلا يوصل ولا يكوّن أفكارًا عميقة من شأنها أن تحيد الإنسان عن اعتقاده.

3- معارضة المعتقد:

لكي يؤثر فكر ما على اعتقاد الإنسان الديني، لابد وأن يكون معارضًا ولو بنسبة بسيطة لمعتقده، يختلف إيمان الفرد منا عن إيمان الآخر حتى وإن كان على نفس المذهب، ونسبة الشك إن تشابهت فقد تختلف في نقطة الشك، قد يؤمن مسلم ما إيمانًا تامًا بعقيدته لكنه يشك ببعض الأمور الفقهية، وآخر يشك بالأمور الفقهية المتواترة غير المنصوص عليها وآخر يشك بالأمور الفقهية المنصوص عليها في الأحاديث لا في القرآن، وآخر قد يؤمن بكل ما وصله من الكتاب وعن الرسول ولكنه يحمل نسبة شك تجاه وجود حساب بعد الموت. كل منا يختلف في درجة إيمانه ونسبة شكه وتفاصيل معتقداته الدينية عن الآخر، ولكي تؤثر فكرة عميقة ما على اعتقاد أي شخص يجب عليها -بوجود نسبة الشك- أن تلامس ما يعتقده، فقد يتأثر المسلم المعتقد تمامًا بإسلامه غير أنه يشك بنسبة ما في موضوع الحياة الآخرة، بمذهب فلسفي يغذي شكه في الحياة الآخرة.

4- نزعة التطرف:

إن مظاهر التطرف كثيرة، منها التطرف الديني والتطرف السياسي وغيرها، ودرجاتها تختلف، فقد تصل إلى معاداة كل مخالف في الاعتقاد -كما هو حال الإرهابيين- وقد لا تصل إلى ذلك وتكتفي بجوهر وأساس التطرف ألا وهو أن لا يؤمن الشخص إلا باعتقاد واحد ولا يقبل سماع اعتقاد آخر ولا يأخذ أي اعتقاد مخالف بعين الاعتبار.

لكي يؤثر تعمق الإنسان في الفلسفة على اعتقاده الديني لابد من وجود نزعة التطرف لديه، ولا أقصد هنا أن يكون مطرفًا في معتقده، أي لا أقصد بالضرورة أن يكون -مثلًا- السني متطرفًا أو الكاثوليكي متطرفًا أو اللاديني متطرفًا، بل أقصد وجود الميل إلى التطرف لدى هذا الإنسان، أيًّا كان معتقده الديني.

بمجرد أن تكون لدى الفرد نزعة التطرف، فإن تعمقه فيما يخالف اعتقاده الديني من فلسفة (أو علم أو قانون أو…) تعمّقًا تطرفيا قد يقوده إلى الميل عن اعتقاده، والسبب في ذلك أنه بمجرد أن يجد ما يغذي شكه في قانون علمي أو تيار فلسفي قد يعجب بالأفكار الأخرى التابعة لهذا العلم أو لهذه الفلسفة أيًّا كانت، ويتطرف في تياره الجديد فلا يقبل النظر في غيره ثم يبدأ بقبول كل ما فيه حتى يتغير ربما اعتقاده الأساسي.

لذا إن كان هناك عالم أحياء مهتمًّا بعلم الآثار، مؤمن بالخالق وبديانة سماوية ولكنه يشك في قصة خلق آدم، قد يؤدي تعمقه إلى الإيمان بنظرية التطور لدارون ثم إن تطرف في ذلك قد يؤثر ذلك تدريجيا على إيمانه بوجود خالق وميله إلى التيار الطبائعي أو الصدفي. وإذا كان هناك طبيب مهتم بعلم الأمراض مثلًا، لاأدريّ المذهب، واكتشف أو واجه ما يشير إلى وجود إله، فقد يميل عن اعتقاده الديني ويؤمن بوجود الخالق. والأمثلة لا حصر لها.

خلاصة القول، إن الفلسفة وغيرها لا احتمالية لتأثيرها على اعتقاد الإنسان الديني إلا بوجود عوامل أربعة: الشك، والتعمق، ومعارضة الاعتقاد، ونزعة التطرف.

لذا فلن تخرج الفلسفة الإنسان عن اعتقاده الديني إلا إذا كانت لديه نسبة من الشك في معتقده وتعمق تعمقًا تطرفيًّا فيما يلامسه ويعارض اعتقاده ولكنه يغذي شكه بطريقة ما.

[ نسخة عنا ]

18c3be0c941501f01976755098b3e89b--art-tutorial-sketch-tutorial

ما زال الإنسان يحاول اختراع شيء يشبهه.
بين العاشرتين –

     في مقال سابق بعنوان “تساؤلات”، تحدثت عن محدودية فكر الإنسان، أنه ممنهج على شيء مهما حاول تخطيه تمامًا فسيفشل، وأخذت على سبيل المثال نظرية دارون كمثال على ذلك؛ عندما أراد داروين أن يعرف منشأ الإنسان بحث عن شبيه له ووجد القرد أقربهم، وكلما اكتشف علماء الآثار قرودًا أو حيوانات قديمة من نفس الفصيلة جعلوها دليلًا على صحة هذه النظرية، لا يستطيعون تخيل الإنسان مخلوقًا من العدم، لابد من وجود ما يشبهه وقد انحدر منه، كذلك عندما يتخيلون الإنسان فيما بعد، يتخيلونه في أقصى تطوره إنسانًا أيضًا، لكنه مزود في جسمه باختراعات الكترونية كهربائية رقمية مطورة، كشريحة ذاكرة أو غيرها، وعندما فكروا بصنع روبوت كان الشكل الرئيسي يشبه الإنسان، حتى وإن كان الرجل الآلي مختلف عن الإنسان في تفاصيل مظهره إلا أنه يشبهه من حيث عدد الأطراف وغيرها  من النقاط الأساسية، واليوم طور العلم هذه الآلة حتى صرنا نكاد ألا نميز بينها وبين الإنسان العادي في المظهر، وهم في طور جعل هذا الاختراع أقرب ما يكون إلى الإنسان حتى في قدراته لينوب عن المورد البشري.

     وإن نظرنا إلى عدة خدمات ذكية تخدم البشرية لوجدنا الخرائط تدلك على المكان بصوت إنسان، والهاتف تأمره بمهام وتسأله عن أمور ويجيبك وكأنه إنسان، والسيارات اليوم كذلك تستطيع التحاور معها، وإن كان هذا النوع من الحوار محدود، إلا أن الإنسان فعليا لا يمكنه الخروج هنا عن طبيعته. 

     ليس على صعيد العلم الحيوي والتقني فحسب بل حتى على صعيد الفلسفة، والدين وعلم الفضاء. تجد الإنسان يفكر ضمن حدود الإنسان؛ على سبيل المثال، آلهة الإغريق صوروها بأجساد بشر وإن كان لبعضها أجنحة، صورة الملائكة كذلك بشرية في أذهان الكثير، والبعض من النصارى يتقبلون فكرة أن الإله قد يكون له شكل إنسان،  أو أن ابن الإله يرث شكله ومعظم صفاته من الجينات البشرية من أمه (العذراء)، كذلك في فلسفة الكائنات الفضائية غالبًا ما تكون صورتها -أو صورة سكان الكواكب الأخرى- كصورة الإنسان.

     حسنًا قد تنكر ذلك، ولكن كم عين للكائن الذي تخيلت الآن على أنه كائن فضائي ؟ إن لم تكن عينان فهل على الأقل احتوت العين على جفن واحد ؟ ألا ترمش العين ؟ هل للكائن مشاعر ؟ هل ينوي ويعتقد ؟ إن كان يبكي فهل تدمع عينه ؟ إن كان يضحك فهل يصدر صوتًا أو يفتح فهمه إن كان له فمٌ ؟ كم عدد أطرافه العلوية والسفلية ؟ هل يمسك الأشياء بالعلوية أم السفلية ؟ أين يقع رأسه ؟ أين موقع فمه، لو كان يسمع بعضو يقابله في الإنسان (الأذن) فكم أذنًا تخيلت ؟

     هذا ما عنيته، لم تستطع أن تخرج تمامًا من شكلك، لا تستطيع توقع وجود كائن عاقل وقادر لا يشبهك على الأقل في مظهره، لذا فحتى الخالق غالبًا ما يصعب على الكثير تخيل أنه لم يُخلق وأنه لن يبيد أبدًا. 

     ما زلت أصر على فكرتي تلك، إن الإنسان لا يكف عن محاولة خلق/ اختراع/ اكتشاف شيء يشبهه، بقصد ودون قصد، فمهما تشعبنا نبقى ضمن إيطار أشباهنا.

[ موتٌ وحياة ]

     عندما ولدنا لم نشعر بالولادة، وإن متنا دون احتضار فلن نشعر بالموت، الموت والولادة حدثان حقيقيان لا يمكن لنا أن نشعر بهما، ولكنهما أكثر لحظتين ندعي بعقلنا البشري المحدود معرفة الإحساس بهما، فنضرب بهما الأمثلة كلما أردنا وصف مشاعر تحت السلبية أو فوق الإيجابية، جميعنا جرب الموت، بطريقته الخاصة، لكن الكثير منا لم يجرب ولادته من جديد أبدًا، بأي طريقة، لم يجربها ما لم يمر بلحظات تعدت تشبيهها بالموت لتصل إلى شيء أعظم منه، شيء أكثر مهانة يحيله إلى ما بعد العدم.

     كنتُ أحتضر لفترة طويلة، أقاوم رغبة الموت باجتياح جسدي وروحي وعقلي، احتضرتُ مئات المرات، ليلًا ونهارًا، وحيدة وبين الناس، لكن الموت أصابني في ربع يومٍ أو أقل، تخيل أن تموت لمدةٍ طويلة، أعني أن تشعر بالموت لمدةٍ طويلة، تخيل أن يموت كل ما فيك، أن تنتهي حياتك، وما لا تستطيع إنهاءه وقتله هو شعورك بالموت، وأفكارك حوله: ” أنا ميت، لقد مت، يا إلهي، أطرافي تتحرك، عقلي يعمل، أستطيع التكلم، لكنّي مُت، أنا ميت الآن، لا أريد أن أبقى ميتا، ليس هكذا، أبدًا، أريد الخلود في هذا الأمر على الأقل، خلود يرافق العمر. ” ثم، وفي لحظة واحدة، بكلمة واحدة، كلمة هامسة، تشعر ولأول مرة بأنك وُلِدت: “يا إلهي! لقد ولدت للمرة الثانية في حياتي، لكني هذه المرة أشعر بولادتي، عقلي حاضر، أنا ولدت للمرة الثانية، وبعثت قبل البعث، عدتُ أتنفس جيدًا، إني على قيد الحياة!”

الحب موت وحياة..

فلتحيِ من أحياك، ولا تقتل نفسك أبدًا.

[ النقد حقٌّ للجميع ]

67375783_1137706283087026_9060339347496108032_n.jpg


      “النقد من حق الجميع ما دمت تشاركهم أعمالك.”

 – يقولون

       إن ملكية المجتمع للفنان مهما كان نوع فنهكتابة ورسم وغيرهمالمجرد أنه شاركهم إنتاجه أو أعماله هي كذبة أشيعت وصدقها الكثيرون، خرافة انتهجها الكثر من الفنانين ومتذوقي الفنون، ابتكرها وأيدها أنانيون يرون أن لهم الحق في أن يكونوا جزءًا من عملك بأي طريقة كانت؛ هل تساءلتم يومًا لمَ نطلب النقد ولا نتقبل بعض الآراء ؟ الجواب ببساطة هو لأن النقد يختلف عن الرأي الشخصي.

  • ما الفرق بين النقد والرأي الشخصي؟

       يعيش كلاهما تحت سقف واحد، لكن الرأي الشخصي مبني على قناعات وممارسات شخصية وذوق خاص، لذلك فأنت تحكم على جودة الشيء بلا حيادية، بينما النقد هو تبيين العيوب وغالبا ما تكون عيوب الشيءوليس دائمًامتفقًا عليها، خاصة إذا كان شيئًا تقليديًّا، بمعنى أن نقد اللوحة غالبا ما يكون مبنيًّا على أسس وقواعد وقوانين، فالواحد ينتقد تناسق الألوان في لوحة فنانة تصنف نفسها في مدرسة تشكيلية معيّنة كالوحشية أو الواقعية أو التأثيريةعلى سبيل المثال– نقدًا بالرجوع إلى أسس هذه المدرسة الفنية.. وكذلك الأديب بحسب مدرسته التراجيدية أو الرومانسية أو الوجوديةمثلًا-.

       إذا كان الشخص الممارس لفنه الكتابي أو التشكيلي أو الموسيقيإلخفي تيار معين معروف أمام العامة أو مدرسة معينة فإن الأساس الذي بنى عليه عمله أو إنتاجه له مقاييس معينة ومعايير أي أن عيوبه واضحة ومحاسنه أي أن النقد بين النقادغالبًا وليس دائمًايكون متفقًا عليه، وإن اختلف أحدهم عن الآخر فلأنه استند على رأي معلم أعظم أو أشهر أو أخبر منه، وغالبًا ما يكون هذا المعلم من رواد الفن المنتقَد نفسه أو من مؤسسيه أيًّا كانت تلك المدرسة وأيًّآ كان ذلك الفن.

  • ما حدود الرأي الشخصي بعيدًا عن السيكولوجيا والأخلاقيات والشريعة ؟

       إنها الحدود الفكرية الموضوعيةفي نفس الموضوع، إن حدودك كشخص هي نظرتك الشخصية فقط، يحق لك أن تعطي رأيك بسطحية أو تعمق وأن تقرأ قراءة سيكولوجية مبنية على مشاعرك وتوقعاتك واعتقاداتك، وتتخيل ما شئت من الكواليس والأهداف ومعانٍ خاصة، فإن كنت تقرأ لوحةعلى سبيل المثالوتريد طرح رأيك ستقول بأن الألوان كئيبة أو أن الفنان أكثر من عدد الأشجار ولو استبدلها بنخلتين لكانت أجمل ومريحة للعين، كل هذه الملاحظات ومثيلاتها تمثل رأيك الشخصي، أي أنها ليست نقدًا.. كالأشخاص الذين يحبون أن يضعون سريرهم في طرف الغرفة، وألا يكون في غرفة النوم أكثر من نافذة واحدة، ويفضلون أن تكون خزانة الملابس في غرفة النوم كذلك، حتى وإن كانت هناك متسع في المنزل لفصل غرفة التديل عن غرفة النوم، ليست تلك التفضيلات إلا ذوقًا خاصًّا، تختلف من شخص لآخر بحسب شخصيته ونظرته الشخصية، وقس على ذلك فنون أخرى.

     لكن النقد مبني على علم

     لنأخذ التصميم الداخلي كمثالعلمًا بأني أفتقر تمامًا للخبرة فيه لذا سأفترض، لنفترض مثلًا أن ناقد تصميم داخلي وجد غرفةً بأسلوب الستينات لكن ركنًا فيها ظهر غير مناسب لها لاحتوائه على مجسم روبوت من العصر الحديث أو على لوحة كرتونية أو تمثالًا يحاكي العصر الحجري، ملاحظاته هنا ستكون بمثابة نقد، فيقول مثلًا: ” إن الغرفة كلاسيكية لكن الركن الفلاني لا يمت لأسلوب التصميم العام للغرفة بصلة، أو مثلًا يدلي بملاحظات حول محتويات الغرفة وتنظيمها بناءً على علم الطاقة أوفينغ شوي، أو ينبذ، بناءً على معلومة طبية، امتلاء غرفة النوم بالنباتات لكيلا تضر بالجهاز التنفسي، كل هذه تعتبر نماذج من النقد المحتمل لغرفة ما، بينما من يقول لكعلى سبيل المثالكم أحببت ألوان الغرفة، أو لا أرى أن هذه القطعة جميلة، أو لو كانت غرفتي لما وضعت فيها هذا الكم من اللوحات، فهذه كلها آراء شخصية

     فحدود النقد هي المدرسة ذاتها، فإن خرج الفنان عن هذه المدرسة ولم ينصف نفسه في أي من المذاهب الفنية أو دمج بين اثنين منها فأكثر فإن حقه في إخراج فنه كيفما شاء مكفول له، دون نقده، لأنه أنشأ مدرسته الخاصة أو أسلوبه الخاص، ولا حدود للفن.

     يواجه الشعراء مثلًا مشكلة في هذه النقطة، حيث يواجهون حملة هجومية من الكثير من أقرانهم لخروجهم عن بحور الشعر المعروفة، حتى وإن كانت أبياتهم موزونة، والقافية ممتازة.. فمثلًا يحتمون على الشاعر أن يكتب القصيدة بقافتين قافية للشطر الأول وقافية للشطر الثاني على مد القصيدة، أو إن كان سيقفّي البيت فقطأي الأشطر الثانيةفإنه لابد من أن يتشمل القافية نفسها الشطر الأول من البيت الأول، ومخالفة ذلك يعدها البعض خطأً وعدم احتراف من الشاعر.. هنا أتعجب منالتحجر الفنيإن ناسب الوصف الحالة، فمن وضع هذه القواعد ومنع وضع غيرها ؟ الشعر فن، والفن حر في تقنياته وأساليبه، والكتابة الفنية ينبغي أن تكون سليمة ما دامت مفهومة وجميلة وسليمة النحو والإملاء وفصيحةحيث الكلمات الشائعة بين العامة في زمن الكاتب نفسهوأن تخضع للقواعد الحقيقية للفنون الكتابية المعينةالتقارير المقالات الشعر الخاطرة الرسالة الروايةإن كان الكاتب قد أسماها بتلك المسميات، أما إن لم يصنفها فلمَ تخضع لقواعد جمالية معينة لا تمثل أصل اللغة بل شأنها شأن أي فن ابتكره وبدأه فنان ما أو كاتب فني ما.

     أذكر في مادة التحرير الكتابي في الجامعة جدولًا يبين الفرق بين المقال والخاطرة، وأحد الفروقات كان عدد كلمات كل منهما، حيث بين أن المقال يتكون من ١٠٠٠ كلمة على أقل تقدير بينما الخاطرة لا تتجاوز ٥٠٠ كلمة، وما دون ذلك فهو دخيل على الإنشاء وغير مقبول.. هل يمكن للفن أن يقبل ذلك ؟ ألا يحق للكاتب على الأقل أن يبتكر مسمى جديد لنص يحتوي على ٧٠٠ كلمة مثلًا ؟ 

     إن الأعمال الفنية إن انتمت إلى مدارس معينة ينبغي عليها أن تلتزم بحدود هذه المدارسأو المذاهبويحق للناقد حينها إن علم أن التغيير الحاصل من الفنان لم يكن عن ذكاء بل عن جهل أن ينتقده بحدود المذهب، وإلا فوُجب عليه أن يحترم إبداعه كما احترم اليوم تكعيبية بيكاسو، وإن كان الفن جديدًا أو دامجًا لعدة مدارس أو مجدد لمذهب ما باعتراف من الممارس الفني دون أن يدعي اتباعه التام والتقليدي للمذهب، فلا يحق لأحدبرأييأن ينتقده أو يطلبون منه تحديد تيار سابق وموجود، لأنه فن !

     إن لم نقبل الجديد في الفن فلن يدوم.

     لكل حضارة تاريخ، الأمس مؤرخ ومؤرشف، وما سمّي تاريخًا إلا لأن الجديد لحقه، واختلافه عن عصرنا هذا يدل علىالتجديد، وما من نهضة دون تجديد، فاتباع القديم مجرد تقليدية، وما دمنا نسير مع الزمن فلا مانع من التجديد، بل لابد منه، لأن أفكار الإنسان يجددها الزمان، وفهمه لما حوله يتجدد، وضعه للأولويات واستثناؤه للمبادئ ومخالفته إياها وخروجه عن القوانين، كلها مسببات للتجديد ودلالات عليه، فكيف لا يتجدد ما يشكّل الحضارة وما يعرف باللغة العالمية الموحدة لهذه الحضارات والتي تربط العالم كله ببعضه ؟ كيف لا يتجدد الفن ؟ وأعني بذلك الفن بأنواعه من رسم وتصميم داخلي وعمراني وطبخ وأدب ومسرح وموسيقى ونحت

     إن حصرنا كل هذا في مدارس قديمة فإننا حبيسو حضارات صنعها الأجداد، ولم نستطع تجاوز تاريخ لم يعد يمثلنا اليوم. إن هذا الحصر والاكتفاء بما وضعه من سبقنا دليل على أن الأجيال المعاصرة لا ترى في نفسها المؤهلات للابتكار ولإنشاء تيارات فنية جديدة. إن الحضارة اليوم تمر بأزمة نوم، سبات حضاري، فالجيل الذي يعتقد بافتقاده للإمكانيات في ابتداع مذاهب جديدة أو تجديد مدارس قديمة هو جيل يرى الماضي كله مقدسًا والخروج عن حدوده اليوم هو تشويهًا له.

     إن هناك هوة كبيرة بين الفن المعاصر والفنون التقليدية، الكثير من النقاد يحترمون الفن المعاصر حتى وإن لم يعجبهم، معترفين به، لأن الإعلام فرضه عليهم، كاعترافهم بالفنون الكلاسيكية القديمة، التي فرضها عليهم التاريخ، واليوم نستطيع أن نرى بوضوع ما بينهما فراغ كبير

     إن نظرنا إلى المدارس التشكيلية القديمة وجدناها جميعها نتيجة تحولات وتغييرات لمدرسة واحدةالواقعية، أي أن المدارس الفنية قديمًا كانت تتأثر ببعضها، كانت أكثر حرية، والفنان كان أكثر جرأة. أما اليوم فالفئة الناقدة تفصل تمامًا التقليدية بأنواعها من المدارس عن المدرسة الجديدةالفن المعاصروتجد الدمج بينهما غير جمالي، أو خاطئًا، أو ربما كفقاعة لا مستقبل لها، لذا فهم يرون أنك كفنان مجبر على تحديد انتمائك لمدرسة فنية واحدة، وكأن الفن دين أو جنسية، محصور في مسميات أو مذاهب

     إن البعض يرى لنفسه الحق بنقد الفن كما شاء ما دام ممارسًا لنوع معين من الفنون الموسيقية أو التشكيلية أو المسرحية وغيرها، ولكن الممارسة لا ترخص لك النقد، فغالبًا من يمارس فنًّا معينًا لفترة طويلة ينتمي إلى مدرسة معينة، سواءً كانت قد أُنشئت من قبل أو أنشأها هو بنفسه، لذا فنقده غالبًا ما يكون محدودًا، لأن نظرته بدورها محدودة، محصورة بما يمارسه بنفسه واعتاد على ممارسته. إن ممارستك لتيار فني معين لفترة طويلة لا يعطيك الحق بانتقاد فنان جديد من مدارس مغايرة لمذهبك

     الفن ألطف من أن يصفَّد، الفن مشاعر حرة وأفكار تمتد بأفق لا نهائي، الفن تعبير إنساني، لغة تواصل عالمية، والنقد الذي يقيّد الفنان ولا يطوّره لا يحترم جوهر الفن، ولا يدرك ماهيته، لذا فلنفرّق بين النقد والرأي الشخصي

[ الفرد مجتمع والمجتمع فرد ]

my-society-member

Artist: GIRISH CHANDRA

     الانطباع، ما معنى الانطباع، وعلى أي أساس يكون المرء انطباعًا عن أحدهم ؟ على أساس الصور السابقة التي احتفظت بها ذاكرته، أم خيالاته، أم تغذية اجتماعية علمية كونية لا تشترط تجاربه الخاصة.

     التقدير، متى يكون، وما الداعي له، ومن يستحقه، ولماذا ؟ إلى أي مدى نحسن اختيار من نقدر ؟ أو ما معنى التقدير حتى ؟

     الاحترام، هل هو ضرورة أم مكرمة ؟ عندما تشكر على احترامك هل لأنك قمت بالواجب أم لأنك تفضلت بما لا يجب ؟ هل هو فطرة أو اكتساب ؟ ما الذي قد يتعطل على هذه الأرض دون الاحترام ؟

     التحية، من اخترعها ؟ لمَ وجدت ؟ هل حقًّا ما زالت تؤثر على العلاقات تأثيرًا إيجابيا وتفشي المحبة وما إلى ذلك أم أنها مجرد بروتوكول ؟ إن كان المرء منا يعلم بأن أحدهم حياه مجاملةً وبدون صدق فلمَ قد يغضب عندما لا يحييه في يوم ما فيفتعل مشكلة تجاه ذلك اللافعل ؟

     صف إنسانًا ما بصفات معنوية غير شكلية، مواصفات فكرية عاطفية اجتماعية روحانية أخلاقية، على سبيل المثال وبعشوائية وارتجال، لنفرض أن فلانًا من الناس: كريمًا، صادقًا، محترمًا، لبيبًا، فطنًا، ملتزمًا، ودودًا، متعاونًا، عنيدًا، هجوميًا، فوضويًّا، مجنونًا، غير منطقي، أفلاطونيًّا، مبدعًا؛ على أي أساس أطلقنا عليه هذه الصفات ؟ هل كان من الممكن أن نصفه بما وصفناه به إن لم يكن فردًا من مجتمع ما ؟

     كرمه لأنه أعطى إنسانًا آخر، صدقه لأنه لم يكذب على إنسانٍ آخر، احترامه لأنه احترم الآخرين، لبابته لأنه يفهم الناس من كلمة أو من أول مرة وهكذا، فطنته لأنه أدرك شيئا ما غالبًا ما يكون من اكتشاف أو فعل أو صنع أو قول الإنسان، التزامه الأخلاقي كان بحسب ما أملاه عليه الناس أو بحسب ما فهم منهم أو وجده فيهم، والتزامه الديني لالتزامه بما بلغه به إنسان آخر، ودادته لأنه يلج سريعًا إلى قلوب الآخرين، تعاونه أي مع الآخرين، عناده أي مقابل الآخرين في غالب الأحيان فلا يرضخ بسهولة لأمرهم أو لآرائهم، هجوميته أي تجاه الآخرين ، فوضويته بحسب قوانين الآخرين، جنونه بحسب تقدير الآخرين ومقارنة بهم، اللامنطقية بحسب انطباع الناس عنه لأنهم لم يدركوا فكره مثلًا، أفلاطونيته، حسنًا يكفي أنها صفة تحمل اسم مبتدعها، وإبداعه لأنه ابتكر ما لم يبتكره الآخرين وفكر خارج صناديقهم.. إذن الإنسان لا يمكن أن يحمل صفات جوهرية إلا بوجود الآخرين، فحتى استقلاله كان لأنه استقل عن الآخرين.

     الإنسان كالمجتمع، مكون من أفراد، تصور معي شلالات محيطة بمنطقة ما جافة، ألن تكوّن بحيرة ؟ كل شلال منها هو بحيرة بحد ذاته تنسكب من جهة واحدة أو من أكثر من جهة لتساهم بتكوين بحيرة جديدة، بعيدًا عن كون الإنسان يلده إنسان مثله، ويعلمه إنسان مثله، ويربيه إنسان مثله، إن الإنسان بلا صفة حقيقية ما لم يكن جزءًا من الناس وما لم يكن الناس جزءًا منه كذلك.

     حسنًا، لنعد إلى العناصر الاجتماعية السابقة: الانطباع، التقدير، الاحترام، التحية.

     الأولى تشذ عن البقية ولكنها الغلاف الذي يحيط بهم، فإن التقدير مقياسه ليس إلا انطباعًا من المجتمع أو أحد أفراده، والاحترام كذلك، والتحية نوعها ووقتها ووجودها من عدمه يعطي انطباعًا كذلك، ولنفرض أنك مثاليٌّ جدا، وأرضيت كل أصناف المجتمع، فمن يحبك بخيلًا كنت بخيلًا معه ومن يحبك كريمًا أكرمته، ومن يحبك فقيرًا لم تظهر له سوى فقرك ومن يقدرك غنيًّا أظهرت له غناك، ولنفرض أنك بطريقة إعجازية استطعت أن ترضي كل كائن بشري على هذه المعمورة فبرأيك ما الصفة التي قد يتفق عليها الجميع ؟ مثالي ؟ مسالم ؟ عظيم ؟ سيتفقون على كونك إنسانًا إيجابيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى بالنسبة إلى كل واحد منهم، ومن يظن أن المثالية صفة الملائكة سيكاد يجزم بأنك من أهل السماء، لكن ما الذي جعلهم يرونك بهذه الطريقة ؟ أظن أنه الغرور، النرجسية، الأنا، رغبة النفس بأن يسير كل شيء على ما تحبه هي وحدها دون الاكتراث بالآخرين، وحتى عندما تهتم بالآخرين وما يريدون إلا أنها تبقى لا ترى الشيء رائعًا ما لم يكن على “مزاجها”.

  –  حسنًا، إذًا ما المثالية ؟ ما السلام ؟ ما العظمة ؟

     إن المثالية بالنسبة للمرء هي الكمال وعدم النقصان، ووحده من يحدد أي كمال يقصد وما المعايير التي تنقصه. وإن السلام بالنسبة للمرء هو ما لا يتعرض إليه بالأذى قبل أي أحد آخر، والسلم من السلام. أما العظمة عند المرء هي ما يفوق توقعاته بشكل غير متوقع.

     إذًا فحياتنا كلها هي من صنع الآخرين، ونحن من صنع الآخرين، ولا يجب علينا أن نكون ضحايا هنا، فإننا نحن أيضًا جزء من صنع حياة الآخرين أو صنعهم أنفسهم.

  –  الخلاصة: إن الفرد مجتمعٌ كما أن المجتمع فردٌ !

[ الشك واليقين ]

shkyqin

“كيف يمكن للإنسان أن يتخذ الشك عقيدة ويلتزم بها عن حسن نية؟ هذا ما لا أستطيع فهمه. هؤلاء الفلاسفة الشكاكون إما أن لا وجود لهم وإما هم أشقى سكان الأرض.”

جان-جاك روسو

     معك حق روسو، قد يكون أشقى الناس فعلًا هم من يؤرقهم الشك ويتبعونه، لكني لطالما أعجبت بمذهب الشك، لا أدري، فما يزعجني أكثر هو مذهب اليقين، كل المذاهب الأخرى سوى الشك هي مذاهب يقين.

     ما اعترض عليه روسو في عقيدته هو أن الجميع -من فلاسفة وغيرهم- يؤمنون بفكرة ما إلى درجة الإعجاب، فلا يتنازلون عنها، وإن كانوا قد حصلوا على الشهرة من خلال فكرة ما، فهم لا يتنازلون عنها إطلاقًا، ويندر جدا أن يجيء من يؤمن بفكرة نديد له.

     اعترض روسو على أن الجميع، جميع الفلاسفة، خاصة أولئك الذين يناقشون ما وراء الطبيعة أو يناقشون الدين أو الخالق أو الآلهة، يؤمنون دائمًا بفكرة ما إلى درجة الإعجاب، إلى درجة ألا ينظروا إلى غيرهم، وإن وجدوا الصواب عند غيرهم، يقول روسو، فإنهم إطلاقًا ومن المستحيل أن يعودوا عن فكرتهم إلى فكرة الآخر، بينما أرى بأنهم نادرون ولكن لا يمكننا إنكار وجودهم تمامًا.

     لقد كان روسو ينزعج كثيرًا من يقين الفلاسفة بأفكارهم الخاصة أو باستنتاجاتهم حتى وإن كانت مبنية على أفكار أخرى ومذاهب أخرى ومراجع أخرى، والغريب أنه في الوقت ذاته كان يزعجه مبدأ الشك أيضًا.

     ما أراه هو أن مذهب اليقين يتعب أكثر من مذهب الشك، فمذهب اليقين غالبا ما ينقلنا من مذهب يقين إلى مذهب يقين مغاير عنه، إلى آخر مختلف عن سابقه، حتى نكاد أو قد نصل إلى عقيدة أو مذهب يقين مختلف كليا عن المذهب الأول.

     أرى أن إيجابية مذهب اليقين هي في أنه يعرفنا على أكثر من مذهب بتعمّق، ويجعلنا نعيش كل مذهب يقين معين لفترة معينة ونتعمق فيه حتى نقرر ما إذا كان يناسبنا أو لا، والشيء الآخر الإيجابي هو مواكبته لتطور شخصياتنا فكلما تطورت شخصياتنا اعتقدنا بشيء جديد أو ملنا إلى حقيقة جديدة.

     لكني أرى أننا إن لم نغير من عقيدتنا وإن ثبتنا أخيرًا على عقيدة ما -أي على أي مذهب يقين ما- فقد نصاب بالتحجر والتمسك الشديد بآرائنا أو التبلد الفكري، فلا نتطور لأننا ما عدنا نسمح لعقولنا بالتفكير خارج الإطار خشية أن نشك فيما اعتقدناه، فيصبح كل ما نفكر به محصور بين طيات العقيدة أو المذهب اليقيني الذي اتبعناه أخيرًا.

     وأسميه مذهب يقين لأني أرى أن لا مذهب غير مذهب الشك يحتمل الشك، بالتالي فكل المذاهب الأخرى التي لم يخالطها شك هي مذاهب مبنية على اليقين، فإن لم تكن مذاهب شك فهي مذاهب يقين.

     من الجميل أن نفكر بأن الفطرة هي الأساس وأن نتبع أساسنا، هذا ما أؤمن به، ولكن هذا يستدعي الشك، فالإنسان ليس معصومًا من الخطأ أبدًا، بل هو كائن معرض للخطأ، كل الخطأ، الإنسان معجون من الخطأ، لذا فمن الصعب أن يثق تمامًا بأفكاره.

     لقد وصل روسو إلى اعتقاده الخاص بفضل الفطرة -كما يقول- وبفضل تقييم محسوساته الداخلية كما يصفها. لو فرضنا أن شخصًا ما وصل بمحسوسه الداخلي إلى فكرة عدمية الإله وأن موجد كل شيء هي الطبيعة ذاتها، هل من المنطق أن يسلم الإنسان عقله لهذه الفكرة الأولية دون الشك فيها لو للحظة أبدًا ؟

     هل كان ليسلم روسو نفسه لاعتقاداته الأولية التي يصل إليها ولا يسمح للشك أبدًا بأن يدخل قلبه ؟ ألم يسمح لنفسه بأن يشك فيما وصل إليه هو وما اختاره حدسه أو كما أطلق عليه “فطرته” ؟ أليس في ذلك إعجابًا بالذات أيضًا ؟

     أرى أن ثقة الإنسان التامة بآرائه إلى درجة تعميم حكمه على الآخرين قد تكون بحد ذاتها إعجابًا بالذات ومحاولة لعدم الانحياز لرأي آخر ومحاولة لتحصين النفس تمامًا من أي فكرة دخيلة، فلابد للإنسان الذي يطلق لعقله العنان أن يحتار بين شيئين -أي أن يشك في صحة أحدهما- وقد يختار بينهما ما يوقن به تمامًا ولكنه يفاجأ -يومًا ما- بقدوم ما يقنعه أكثر، عندها من الطبيعي أن يدخل الشك قلبه من جديد تجاه فكرته السابقة ويتراجع عنها ليؤمن بالجديد، لكنه إن أصر على التمسك بفكرته السابقة دون إخضاعها للشك الكافي والتحليل -رغم اعترافه في قرارة نفسه بأنها قد تكون أقل صوابًا من الفكرة الجديدة- فقد تهرّب من الاعتراف بالحق.

     لا يمكن إنكار أن الشك هو جزء من التطور، فالإنسان الذي لا يشك لا يتطور، إن الشك ضروري لاستمرارية البشرية على قيد الحياة، فإن كنا على يقين بكل شيء فلن نغيره أبدا، ومن المستحيل أن ننتقل من يقين تام إلى يقين تام دون المرور بالشك، ومن الغباء ومن إهمال العقل ألا نشك أبدًا، فما فائدة العقل إن لم نشك ؟ كيف سنفكر بشيء ونحلله ما لم نشك به ؟ ما الذي قد يمارسه عقلك بعد، إن كنت على أتم اليقين بكل أفكارك ؟

     ربما الخطوة الأخيرة المتبقية بعد اليقين بفكرة ما هي نشرها وإطلاع الآخرين عليها، وإنك بذلك تظهر لنفسك ولغيرك أنك على قناعة تامة بأنها على صواب تام لا خطأ فيه وبالتالي تصبح كبقية الفلاسفة اللذين انتقدهم روسو لثقتهم التامة بما يوقنون به، بينما لم ينتبه هو بنفسه -روسو- أنه مثلهم إذ أنه لا يعترف بالشك أبدًا. فقد انتقد روسو الطرفين، من يوقن بصواب أفكاره الجوهرية ولا يغيرها ومن يشك بأفكاره الجوهرية ويلتزم مذهب الشك، على الرغم من أنه كإنسان من الطبيعي لابد وأن يكون جزءًا منهما الاثنين، جزء من فلاسفة الشك وجزء من فلاسفة اليقين، وهذا ما يميزنا جميعًا، فلو كنا نشك في كل شيء لما تميزنا عن بعض، ولكن لأننا نشك في الكثير من الأشياء -ربما- ونوقن ببعض الأمور فإننا نتميز فكريًّا عن بعضنا البعض بناء على ما نؤمن به.

     أنا بنفسي أتبع مذهب الشك على الرغم من كل اليقين في قلبي بالكثير من الأمور، ولستُ فيلسوفة، لا أعلم ما الصواب وما الحقيقة، حتى أشك بما أراه؛ فعلى سبيل المثال تجدني أشك بالألوان من حولي، أعتقد بأني أراها بمسمياتها هذه وأن غيري يراها بلون آخر ولكني عندما أشير الى اللون الأحمر وأصفه بأنه لون أحمر يراه غيري أزرقا ولكنه يسميه أحمرا، لأن اسمه في عالمه أحمر لكنه في عالمه كالأزرق في عالمي، الأمر معقد.

     إنني أسلم نفسي للحقائق والنظريات ولكني أشك، إن آمنت بالشيء أشك في ضرورته.. إن آمنت بالشيء أشك في أصله وفي مرجعه وفي قائله.

     لقد وصف روسو الشكاكين بأشقى من على الارض، نعم إنني شقية، وأجد نفسي من أشقى البشر، ولكني أرى أن وجود الشك مختلطا باليقين موزعا بطريقة ما هو الإدراك بذاته، عندما تصبح ناضجا على الأقل مقارنة بما كنت عليه في السابق فتبدأ بالتفكير بنفسك فيما انتهجت فأنت برأيي قد وصلت إلى معنى الإدراك وإن لم تكن قد أدركت الحقيقة تمامًا لأنه شيء مستحيل، ولكنك وصلت إلى معنى الإدراك، وقد قيل بأن المرء كلما زاد إدراكه للحياة زاد شقاؤه، لذا ربما كان الشكاكون هم أكثر الناس إدراكا للحياة لأنهم لم ينتهجوا مذهبا يقينيًّا واحدًا وتعمقوا فيه إلى درجة تجريده من كل مذهب آخر ثم سيروا عليه كل أمور حياتهم بلا أدنى شك.

     كيف لنا أن نثق تمامًا بشيء كامل جاء إلينا بعد تخبطه بكل الظروف على مدى التاريخ، إنه لم يصلنا نقيًّا صافيًا، بل وصل إلينا محرفًا بطريقة او بأخرى، أقصد، كيف نثق بالمادة وملحقاتها ورواتها ومراجعها دفعة واحدة دون أن يصيبنا الشك في شيء، أعني، حتى الكتب التي لم تحرف والتي مجموعها اليوم هو كتاب واحد -بحسب إيماني-، كيف نوقن اليوم بأننا نفهمها ؟ أعني اذا كان المفسرون مختلفين فيها منذ سنين وقرون فكيف نثق بإدراكنا التام لمعانيها ؟ كل الأفكار قد تكون حقيقية فعلا ولكن فهمنا لها قد لا يكون حقيقيًا، قد لا يكون صائبًا كل الصواب، ما أحاول قوله هو أني قد أصل إلى يقين تام بشيء ما ولكني لابد من أشك بشيء يخصه ولو كان على الأقل فهمي الشخصي له.

     إن الإنسان مكون من أفكار، الإنسان مجموعة أفكار، إن لم يكن الشك هو الرابط بينها أو محركها أو مكونها فما الإنسان ؟ الإنسان مبني على الشك، لمَ قد يوجد العقل إن كان الأساس هو اليقين ؟ إن العقل وجد للإدراك وللتمييز بين الحق والباطل، وإن قدرات الإنسان المحدودة تلزمه بإخضاع الأمور للتجربة ليستنتج منها ما هو حق وما هو الباطل، أي أن قدرته المحدودة ترغمه على الشك أولًا قبل إيمانه بشيء ما، ولا وجود للإدراك من دون الشك، ولا يمكن للعقل الوصول إلى اليقين بشيءٍ ما، ما لم يمر بالشك، لأن الشك هو أساس الحياة.

     الإنسان شقي بطبعه، وأسباب وجوده على رأسها الشقاء؛ فالاختبار شقاء، وانتظار النتيجة شقاء، والخوف من الموت شقاء، وانتظار الموت شقاء، والرغبة بالتمسك بالحياة -على الرغم من عدم وجود الخلود- شقاء، مرورك بعقبات كثيرة شقاء، تطورك لا يحصل دون شقاء، محاولات وصولك إلى ما ترغب به شقاء، لذا فكون الشك شقاءً هذا لا ينفي ضروريته في حياة كل إنسان، فلولم نمر بالشك لما أدركنا اليقين يومًا.