[ تفاحة وأخواتُها ]

أريد أن أبدأ كتابة شيء، ينبع من أعماقي، شيء أستطيع الشعور به حقًّا، أو بمعنى آخر: شيء أشعر به قبل كتابته، وأثناءها وبعد الانتهاء منها. أكتب ما يجول في خاطري كما هو دون زيف. قد أجعله يرتدي حللًا جميلة، هندامًا أنيقًا، ولكني لا أغير هويته. أود ارتجال أفكاري كما هي، على الرغم من أن تفسير الفكرة قد يحتاج أحيانًا إلى تعقيدها بعض الشيء، وأود سرد مشاعري كما هي، على الرغم من أن الشعور ينبغي أن نبالغ في وصفه ليتضح.. لا لغرض، ولكني أشعر بالمعاني في داخلي سجينةً، تنتظر قوالبَ تتشكل فيها فتتحرر، تفك قيدي عنها.. ربما لا يهمني أن يكون لها مستقبلٌ ولكنّ الأهم أن أخلقها في الوجود، أن تكون موجودة، موجودة وحسب، طائرة كانت أم متجذرة الأصول، خفيفة كانت أم ثقيلة، لكنها موجودة، قد تتصل بأي شيء، أي شيء إلا العدم.

إن الكلمات بالنسبة إلي، كلماتي أنا، المعبرة عن مشاعري أنا وأفكاري أنا، هي لُبي، لبُّ قلبي، لبُّ جسدي، لبُّ كائني أنا. تخيلني كثمرة، كتفاحة حمراء أو أيًا كان لونها. تخيل أن تفرغ ما بي تمامًا دفعةً واحدة حتى لا يبقى مني إلا قشوري الملونة، لن أكون عندها ثمرة، بل مجرد قشرة، أما أنا فلستُ أرغب بإخراج الكلمات هكذا بقدر ما أود أن أقشر هذه الثمرة لأخرج التفاح بأكمله، يبدو واضحًا متجردًا ولكنه يمتلئ بالذرات، بالجزيئات التي تكونه.. على الرغم من أن لا شيء يحجب بين عينك وقلب هذه الثمرة إلا أنك لا تستطيع الوصول إلى بذورها دون قطمها أو قطعها إلى نصفين، أما أنا، فكما قلت، أود أن أخلق كلماتي في الوجود، ولا آبه بالمتلقي، فالمتلقي لن يستطيع معرفة طعم الثمرة، ولا تفاصيلها، ولا رائحتها، يكفيه أن ينظر إليها ويفهمها ويتخيلها كيفما شاء، تلك مهمته، ومهمتي أن أظهر كلماتي كيفما شئت.

لا شيء يصعب على الإنسان أكثر من أن يشعر تمامًا بالطرف الآخر، هناك دائمًا أجزاء من عشرة -على الأقل- من الاختلاف، يستحيل أن تشعر تمامًا بما يشعر به الآخر، من فرد لفرد آخر، ويصعب الأمر أكثر كلما زاد عدد الأفراد المقارنة بأفراد أُخَر، فلا تستطيع -أدبًا- مجموعة من أفراد أن تشعر تمامًا كما يشعر أفراد مجموعة أخرى، ولو كبرت العينة إلى الجنس الواحد؛ فكما يردد الرجال:” يستحيل أن نفهم النساء”، يرددن: ” يستحيل أن يشعر الرجال بما نشعر به”.

وإن كان يستحيل على الرجال أن يشعروا بالنساء، جنسًا إلى جنس، فيسهل تمامًا أن تدرك أن الرجل لا يشعر بالمرأة تمامًا مهما كانا مقربَين، وتحاول المرأة باستمرار أن تفهم الرجل، تفهم عقله، تفهم فكره، وتبقى هناك مساحة مجهولة غامضة في عقله يحتفظ بها لا تستطيع الوصول إليها، وإن جعلت تلك النقطة بالذات مصدر فضولها الرئيسي وشغلها الشاغل لأفنت حياتها في هباء منثور وهراءٍ لا حِل منه ولا حَل له.

إن الرجل ليظهر غروره وأنانيته في تحفظه الشديد، في مساحته الخاصة، في حقه الإنساني الذي غالبًا ما يكون بالنسبة للمرأة متجردًّا من الإنسانية، بينما يكون غرورها وتكون أنانيتها في طمعها، طمعها بالمزيد، ربما طمعها بالمزيد منه والذي تعده حقًّا إنسانيًّا، في حين أن الرجل قد يراه أمرًا يجردها من كرامتها كإنسانة.

ومفهوم الحرية بينهما قد يختلف تمامًا، فمهما اتفقا على أن اللوحة جميلة، ومهما اتفقا على ماهية عناصرها المُجّرَّدة، وما يناسبها من برواز، إلا أنهما يختلفان على الشعور تجاهها، يختلفان في تفسير معناها، وتحليلها السيكولوجي، فيعبر كل منهما عما يلامس طبيعته، وإن تشابهت هذه الطبيعة (الجنس) بين الأفراد وتشابهت أنفسهم تظل دائمًا غير متطابقة.

الموضوع هنا ليس حصرًا على الشريكين، وليس حصرًا في الأساس على المقارنة بين الذكر والأنثى، ولكنها البداية، الاختلاف الأول بين البشر منذ الخلق والذي مهما بدا يتلاشى تبقى منه أجزاء لا يمكننا إلا ملاحظتها، ثم يكون هناك الاختلاف بين الإنسان وأخيه من الجنس الواحد، ثم الاختلاف الغريب بين التوأمين والذي يثبت إعجاز أن الجينات وإن تطابقت إلا أنها تختلف، وأن الظروف البيئية ومواقع النجوم وغيرها من العوامل الكونية مهما تطابقت ظَلَّ تأثيرها مختلف حتى بين الإنسان وتوأمه، ثم تكبر الدائرة وتتعدد الأمثلة، والحقيقة الواحدة أن الاختلاف دائمًا موجود بين الجميع بلا استثناء، وأن الفهم التام مستحيل تمامًا.

قد تتساءل عن سر التفاهم ما دام الفهم التام مستحيلًا، لكنك لو تفكرت في اللفظين لوجدتهما مختلفين، فلو كان التفاهم فهمًا لما أسميناه “تفاهمًا”، فالتفاهم لغةً على وزن تفاعُل من تفاعَل، وهو “مَزيدٌ” يفيد المشاركة، أن أنه يتطلب وجود الطرفين لوقوعه، حيث يتنازل كل منهما عن جزء من فكرته أو رد فعله في سبيل الوصول إلى حل وسط متفق عليه.. ويحدث الأمر معظم الوقت لا إراديًّا ودون سابق تخطيط، دون بذل أي جهد وعقد أي اجتماعٍ، إنما الأمر فطرة لولا أن الإنسان فُطرَ عليها لما حل بعض السلام بين الجميع ولما استطعنا البقاء على هذه الأرض حتى اليوم في جماعات متعايشة إلى أبعد حد، كل ذلك بفضل التفاهم، أما الفهم فيستحيل تمامه.

إن العلاقات التي تتعقد بسبب عدم فهم طرف للطرف الآخر هي علاقات لم تُبنَ على أساس صحيح، أطرافها لم تدرك أن العنصرين اللذين ينبغي وجودهما في أي علاقة يُراد دوامها لمصلحة ما -عاطفية أو مادية أو أيًّا كان نوعها- هما “إدراك حتمية الاختلاف وتقبله”، أما الاختلاف فصحيّ تمامًا؛ وجوده محرّك للحياة، وانعدامه رتابة.. والرتابة أخت الموت.

إن سادت ثقافة تقبّل الاختلاف ستسود على إثرها ثقافات أخرى تابعة: احترام الاختلاف، البحث عن مواطن قوة الاختلاف، الانتفاع من الاختلاف، تقدير الاختلاف… ولستُ أقصد الاختلاف فكريًّا فقط. إن احترام وتقبل اختلاف اللون والأديان والاعتقادات الفلسفية والتخصصات العلمية والوظائف يؤثر على احترام تنوع الأذواق، ولأن تدريب النفس على تقبل ما سلف ذكره صعبٌ فإن أسهل الحلول أحيانًا أن نبدأ بالخطوة الأخيرة، أي أن نبدأ باحترام الأذواق، والذي بدوره يقودنا إلى تقبل أي اختلاف آخر بين الواحد منا والآخرين.

قد يبدو هذا الأمر مثاليًّا إلى حد ما ولكن الحقيقة هي أنه لا يمكن أن يتغير العالم كله، لا يمكن أن تتقبل المجتمعات كلها المجتمعات الأخرى ولا حتى أفراد المجتمع الواحد نفسه، فالثقافة الفكرية هذه -وأي تطور فكري آخر- تتكئ على أكتاف كثيرة، فنوع سياسة الدولة، ونوع تشريعات الدين المُعتَنَق، ودرجة التعلم، والطبقة الاقتصادية وغيرها من العوامل تدخل جميعها في تكوين مدى قدرة كل مجتمع -وكل فرد- على تقبل الآخر -أو تطويره لفكرة ما- ورغم وجود من قد ينكر ما سأذكره إلا أني أثق بواقعه، وهو أن هذه العوامل يتعدى تأثيرها ذلك إلى أن تؤثر في مدى تمسك المجتمعات وأفرادها حتى بطبيعتهم الإنسانية.

ولأن الأمر معقد وبديهي في الوقت ذاته إلى هذه الدرجة، يواجه الفنان -أيًّا كان فنه- صعوبات عدة في الوصول إلى ذائقة الآخرين بمجرد أن يضع في اعتباره ضرورة إعجاب الآخرين بما ينتج من أعمال، فيتأخر الأديب، ويفشل المخرج، ويُنسى المغنّي، ويُحبط الرسّام، فقط لأنهم لم يخرجوا الفكرة والشعور بالطريقة التي يرونها هم مناسبة، بل بالطريقة التي برأيهم: قد تعجب وتناسب الآخرين.

أحيانًا ما تكون أبسط الأمور التي يتخذها الفنان درعًا له -وإن انتهج ما رآه مناسبًا غير مكترث لآراء الآخرين وتقبلهم من عدمه- هي الحياد، فيكون محايدًا غير مصنفًا نفسه تحت أي ميولٍ، وغير مبدٍ رأيه حول أي قضية كبيرة، وهذا ما شاع في الآونة الأخيرة مع التقدم التقني ومع تطور الوسائل الإعلامية، في حين أن الفنان القديم، الرسام والأديب والمغني والممثل كان أجرأ، كان أقرب إلى نفسه من الآخرين، كان يترك الأمر لريشته وآلته وقلمه، ويطلق العنان لنفسه، ويوضح مواقفه من أي شيء بكل شفافية لمن يسأله عنها، لأنه لم يكن يشعر أنه يعيش على مسرح وأن كل العالم لجنة تحكيم تنتظر منه الوقوع في خطأ المعية والضدية، وكان يصل إلى حيث تستحق أصالته حتى بعد مماته، أما اليوم وفي ظل هذه الامكانية الكبيرة للوصول إلى العالم بأسره تقيّد هذه اللجنة أطرافه الأربعة فيكون رهن إشارة الجميع فقط ليكون مقبولًا.

قد أبدو وكأني أعمم الأمر، أو أصفه مجازيًّا بالحتمية، إلا أني لا أجزم إلا بوجوده عند الغالبية ممن يرغبون بالوصول إلى الآخرين، وإن اختلفت نسبته عند كل منهم إلا أن هذا الخوف – المقصود وغير المقصود- ما يزال مُمارَسًا ومتفشيًا بدرجة كبيرة تعيق تقدم الفنان وصاحب الرأي الواحد، وبالتالي تؤخر تقدم المجتمع الواحد.. فما الحل؟ الحل أن تبدأ بتقبل الآخرين بالسماح لهم باتخاذ مواقف مختلفة عنك، واحترام تعبيرهم عن موافقتهم ومعارضتهم، لتستحق في المقابل تقبلهم وسماحهم باتخاذك مواقف مختلفة عنهم واحترامهم لتعبيرك عن موافقتك ومعارضتك، ولتستطيع الاستمتاع بذوقهم ونتاجهم، فيستمتعون بذائقتك وما تنتج.

سأتقدم الطابور، ولا تتبعني، بل تقدم طابورك الخاص، دعني أراك بجانبي أو في الجهة التي تقابلني، دعني أراك بوضوح، وأسمعك بوضوح وسأحدثك بوضوح، تحدث كيفما شئت وبما تشاء واسمع مني ما أشاءُ وكيفما كان، أطلعني على ما تريد من جعبتك وهاك ما أختارُ مشاركتك إياه، سأكون أنا دون أن تقارنني بغيري أو بنفسك وكُن أنتَ وسأُقدّرُكَ لنفسك، لنستمتع بوجودنا، ونتلذذ باختلافنا، ونتطور بتقبلنا، ونُديم سَرِيّتي وسَرِيّتك بالتفاهم.

[ أيعقل أنك لا تعرف؟! ]

أسماء كبيرة كثيرة نجهلها، قبل العشرين وبعد المائة إن أدركناها، منها ما برق نجمه في سماء تثير اهتمامنا ولم نقرأ عنه يومًا أو لم نسمع عنه، ليس لذنب ارتكبناه ولكننا لم نُرزق بالعصمة من الجهل ولا بملكة تمام المعرفة.

رغم ذلك، يخجل الكثير منا من الاعتراف كقارئ بأنه لم يقرأ للكاتب الفلاني أو لم يسمع عن الفيلسوف الفلاني أو كإعلامي أنه لم يرَ وجه الإعلامي القدير الفلاني من قبل، أو كطبّاخ أنه لم يسمع بالأكلة الشعبية الفلانية يومًا، وكأنه مرغم على معرفة كل صغيرة وكبيرة، كل منحط وشامخ، كل برّاق ومعتم.

صار من النادر أن يعترف الفرد بجهله أمام المجتمع، حتى إذا ما مات شهير ما في مجاله ادعى معرفته وأصبح يردد إنجازاته ويتحسر على موته شابًّا أو مريضًا أو حتى نائمًا وتبكيه أحرفه في ذكرى وفاته تارة وذكرى ميلاده تارة أخرى، وكأنه لم يتعرف عليه صدفة من خلال خبر “غير عاجل” عن وفاته.

أجل، أنا أجهل الكثير وكلما تعلمت شيئًا أدركت جهلي أضعافه، فلا تستنكر علي أو على غيري الجهل بما تعرف.

“هل يعقل أنك كاتبة لا تعرف هذا النوع من القصص؟ هل يعقل أنك تعلمتِ الفرنسية ولا تعرفين تاريخ فرنسا جيدًا؟ هل يعقل أنك تقرئين الكتب ولم تقرئي يومًا لطه حسين؟ هل يعقل أنك في العام 2021م ولا تطّلعين على السياسة؟ هل يعقل أنك مدققة لغوية ولا تعرفين معنى الكلمة الفلانية؟”

أجل، يُعقل! فعقلي لن يعيش ما يكفيه لإدراك كُل شيء تهواه نفسي أو تبغضه، وكذا هو حالك وحال هذه وذلك، فلا تدّعِ ما لستَ عليه، وعِش الحياة معنا ببساطة.

[ أنت مقيد، لستَ حرًّا! ]

PHOTO @ VICTORSTOCK.COM

بقدر ما يكون الإنسان في طبيعته حرا – بالمعنى الشائع- يظل كائنا تقيده عناصر كثيرة مكملة لوجوده في هذا الكون.

خُلق الإنسان حرا غير مملوكا، وامتلاكه كان حالة خاصة مستثناة من طبيعة ما فطر عليه، فقد فُطر ليكون حرا، هذه نظرية ولا تحتاج لتجارب أو براهين تحولها من فرضية إلى نظرية، لكن حرية الإنسان معقدة، معقدة جدا، مليئة بالقيود. أفعاله ليست محصنة من المؤثرات، ولم يختر أفكاره باستقلالية تامة، وحتى مشاعره لم يخترها بإرادة مطلقة وعناية تامة دون تدخل أطراف أخرى، وقدره مقيد على الأقل بظهور الناس في حياته واختفائهم منها. إذا فالمفهوم الحقيقي للحرية لا ينطبق على الإنسان عندما نقول عنه إنه “وُلد حرا”، ولا أحد يستطيع إعطائه الحق التام في أن يكون حرًّا “ككائن إنسان بشري عاقل ومنتج ومعمّر ومستعمر وخلاق”.

إن الحرية المقصودةَ عامةً -بالرغم من تفاوت نسبها بحسب الناس ومفاهيمهم وآرائهم- تصب كلها داخل إطار ضيق، ضيق جدا، وإن كان إطار الحرية ضيقا فهذا تناقضا للمعنى العام للحرية، إذ إن الحصر والتحديد والتقليل والتمييز إخوان القيود، والقيود أعداء الحرية لغة.

في مقال سابق من كتابي قلت إن قرارات الإنسان تحددها العديد من الأطراف. صحيح أن أرائي اليوم تتعارض مع نصف ما كتبته في ذاك المقال، لكني ما زلت أرى قرارات الإنسان -فعلا- تحكمها عدة عوامل داخلية (أي: فيه ويمتلكها وتنتمي إليه)، وخارجية (أي: منوطة بالحال التي كان عليها بتفاصيلها من عناصر حسية ومعنوية)، وهذه نقطة أولى.

أما النقطة الثانية في الحرية فهي أننا لا نختلف على اختلافنا في تحديد ملامح استحقاقية الإنسان للحرية؛ البعض يرى أن لها حدودا تؤخذ كمسلمات فلا يُمس الدين ولا تُرتكب محظوراته أو لا تُمس الدولة ولا تُخالف قوانينها، أو أن حريته تقف عند الآخرين فكل ما يؤذيهم أو “يؤثر على حريتهم المستقلة عنه تماما” هو ممنوع منعًا باتا، والبعض يرى أن من حرية الإنسان أن يختار ما إذا يحترم حرية الآخرين أو لا يحترمها وأن هذا أيضا يدخل ضمن حرية اختياره.

بعيدا عن هاتين النقطتين، إن أكثر إنسانا حرا على وجه المعمورة هو في الأصل مقيد بالقوانين الكونية، بأنواعها، والجميع يخضع لها وبنسب غير متفاوتة، إن مقدار الحرية -مهما بدت مطلقة- تحدها عناصر كونية.

أحد تلك القيود هي الزمن. إن الزمن حاكم حازم لا يتزعزع عن قراراته، ولا مفر من حكمه، قد تتحايل عليه، وقد تتفاهم معه، وقد تعقد صلحا وعقودا مؤقتة بينك وبينه لكنك لا تملك حق التعدي عليه أو تجاهله. إنك مرغم على مسايرته بطريقة لا تتعارض مع أهدافك ورغباتك واختياراتك في الحياة. يشبه الزمن السجن التأديبي ولكنه سجنا دائما حتى الممات، وهو ليس بشعا بل هو خير معلم، ففي كل يوم منه تتعايش فيه معه يعلمك مزيدا من الانضباط -إن كنت حقا تنوي التعلم منه- وإلا فستكون عاقبتك غير محمودة ولا محسودة.

أما القيد الثاني فهو القدرات الإنسانية. إن قدرات الإنسان محدودة بلا شك، محدودة في حدود ” الطبيعي”، ولا شك في أن الكثيرين لا يكتشفون كل قدراتهم ولا يستفيدون منها على أكمل وجه ولا يثقون فيها، وهناك الكثير مما لم ينتبهوا إليه في أنفسهم، وربما أيضا تكون هناك قدرات لم يكتشفها العلم بعد في البشرية، لكنها بصفة عامة -مقارنة بعظمة كل شيء آخر في الكون أو على الأقل مقارنة بما قد يخلقه خيال الإنسان- هي قدرات محدودة. إن الجميل في هذا القيد أنه يحفز الإنسان للابتكار، لتسهيل الحصول على حياة أقرب لخياله من الواقع المنقض، إن محدودية القدرات أهم حافز مطور للحضارة البشرية والعلم، فحين لم يستطع الإنسان الطيران اخترع الطائرة، وعندما أدرك أنه لا يستطيع سباحةً قطع مسافات طويلة في البحار والمحيطات مواجها كل التقلبات التي قد تعترض طريقه، صنع القوارب وأخذ يطورها حتى صنع منها منتجعات ووسائل ترفيهية مذهلة! ولعجزه عن السيطرة على انتشار الأمراض المعدية أو حالات التشوهات الخلقية -مثلا- اخترع اللقاح ليحد من تفاقم المشكلة الأولى وطور علمه ليتحكم بالجينات متفاديًا المشكلة الثانية، ومثل هذه الأمثلة لا تحصى.

والقيد الثالث هو المساحة أو البيئة، بيئة الإنسان السكنية محدودة، ولست أتحدث عن منزله أو قريته أو موطنه، بل أعني الأرض واليابسة، فلكي يستطيع أن يمارس حريته “المؤطرة والمزعومة” ينبغي عليه أن يعيشها حيث يستطيع تنفس خليط غازات مناسبًا بتركيباته ونسب عناصره، وحيث يتقبل جسده درجة الحرارة المحيطة، وحيث يجد تناغما مع باقي المخلوقات ليتغذى عليها ولتحافظ على غذائه وسلامته؛ يحتاج أن يغذي جسده بمعادن وفيتامينات معينة، لذا يحرص على توفر النبتة المعينة، والتي ينبغي أن يحميها من كائنات أخرى تتغذى عليها وتتلفها، فيحرص على عدم انقراض كائنات تلتهم تلك الكائنات التي قد تقضي على النبتة التي يحتاج إلى مكوناتها الغذائية! وهو لشيء من شأنه أن يعلم الإنسان الحفاظ على ممتلكاته وما عنده وأن يسعى للحصول على ما يحتاج وأن يحترم الحدود -على الأقل تلك التي يضعها هو لنفسه.

وهناك قيد رابع وهو عمره المستقل، لا أقصد العمر الزمني بل أقصد حياته المستقلة المبدوءة بولادة والمنتهية بوفاة، استقلالية البداية والنهاية وحدها تعلمه أنه مستقل في حياته، أن له مسؤولياته التي عليه أن يتحملها وحده في معظم أوقاته حتى وإن أعانه آخرون، بداية من أن يخطو صغيرًا، وحتى أن يختار الاستمرار على قيد الحياة إلى أن يختار موتُه وجهًا أم الانتحار، واحسب -بينهما- كمية المسؤوليات التي علمه هذا القيد -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- أن يتحملها ويلتزم بها.

انظر إلى هذا التعقيد الجميل في حياة الإنسان، إنه تعقيد، ولكنه يلائمه، يكمله، بقدر ما يبدو مقيدا له إلا أنه يهيئ له بيئة متكاملة تناسب طبيعته التي خلق عليها. إن الزمن يضبط نفسه، وطبيعة القدرات تحفزه، والمساحة تدربه على الحفاظ على ما بين يديه، وقدره يحمّله مسؤولية حياته.

ليست هذه العوامل الكونية الأربعة وحدها ما يقيد حرية الإنسان، بل هناك الكثير غيرها، لكن هذه على وجه الخصوص علمتني ألا يأخذني الغرور بحريتي “المطلقة” كإنسان، أو بما أسميه “حرية” حتى وإن كانت محددة وفق مبادئ اخترتها بنفسي.

إن الحياة خير معلم، وإنها عبارة ليست مبتذلة أبدًا، فكلما تأملت الحياة وجدت معنى آخر لكونها “معلما لنا”، معنى أعمق، معنى مندثر أو متروك في الركن البعيد وقد تراكم عليه غبار الزمن ولم ينفضه أحد عنه.

هنا وقفة امتنان… للحياة، وقيودها.

[ المراهقة كذبة ]

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎شاهدت مقطعًا لشاب يعظ الجميع بترك الشهوات وقد أشاد به الكثير، ووجدت فيما ذكر عدة نقاط مثيرة للاهتمام وشعرت بالحاجة لإبداء رأيي بها ونقدها والتعليق عليها، لكني سأكتفي بالتعليق على بضع نقاط أراها الأهم.

يقول الشاب في مقطعه:

“ما من شيء اسمه فترة مراهقة في الإسلام، بل هناك مرحلتان فقط: طفل ثم رجل، أو طفل ثم بالغ.”

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎بالنسبة إلي، لا أعتب على الشاب، لأنه -كما يبدو- صغيرًا، ولأن طريقة تحليله أظهرت ذكاءه بما وصله من علم، لكني أود هنا أن أطرح سؤالًا على كل من يؤيد كلامه:

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎– هل تجده أمرًا منطقيًّا، أن يُسامَح الشخص على ذنب اقترفه يوم السبت -مثلًا- لأنه ما زال طفلًا، ثم يُحاسَب على تكرار الذنب يوم الأحد لأنه صار بالغًا/رجلًا؟

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أعني، أن من يؤمن بالله يعلم أنه “حكيم”، ويعلم أنه -سبحانه- حرّم الظلم على نفسه، ولأن الله خلق الإنسان وتكوينه وتفاصيله “وطريقة عمله” فهو الخبير العليم بضرورة تدرج الإنسان، والتدرج معه في كل شيء تقريبًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎إذا كانت الشمس تستغرق نحو 20 دقيقة حتى تغرب تمامًا كي لا يتضرر البصر ولا الشجر… إلخ، فهل يعقل أن كل ما يحتاجه الإنسان ليتحول من عصفور في الجنة إلى حطب لجهنم هو علامة بلوغ واحدة؟ هل كل ما يلزمه ليكون مسؤولا عن كل شيء يقوله أو يفعله أو يؤمن به هو لحظة واحد يدرك فيها أنه بلغ؟

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أحزنني قول آخر للشاب في مقطعه معناه أن مرحلة المراهقة هي كذبة علمية، غرضها الأساسي انخراط هذه الفئة العمرية في الشهوات بلا رقيب ولا حسيب، وأنها كذبة تضر بالمسلمين.

إن الإيمان نظرية المؤامرة هذه، مشكلة عظيمة!
ومعارضة كل ما يثبت علميا باسم الدين، لهو شيء فظيع!

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎مؤسف أن يؤمن شاب في هذا العمر بهذه الفكرة ويقول إن العلماء يدّعون وجود مرحلة عمرية كسن المراهقة، فقط لكي يشغلوا جيلنا في البرامج الترفيهية (تيك توك والسناب شات ونحوهما) فلا يُنتج شيئًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎بعيدًا عن إفراط فئة كبيرة من المراهقين وغيرهم في استخدام الألعاب ومواقع التواصل، ليس المسلمون وحدهم من يستخدم هذه التقنيات الحديثة، لسنا وحدنا من وصل إليه التطور بسلبياته وإيجابياته، ليس المسلم وحده من أطلَق عليه العلم “مراهقًا” في مرحلة ما.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎أما الضرر من ضياع الجيل الجديد ليس حصرًا على المراهقين، بل إنه ضرر يصل لكل الفئات العمرية إن ضاعت شريحة كبيرة كالمراهقين، لأن الفئة العمرية هذه هي أساس المستقبل البشري في كل عصر، إما في استكمال التطوير العلمي والتطور الحضاري بأنواعه أو في تربية من يقوم على ذلك مستقبلًا.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎محزن جدا ومخجل ومعيب أنه كلما نصح طفل أو شاب صغير المجتمع نصيحة متبعة باستشهاد “قال الله وقال الرسول”، هلل الجميع وكبّر وأثنى على حكمته وعقله.

‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎‏‏‎ ‎ونعم بالله تعالى ونعم برسوله الكريم، ولكن قبل الإشادة بكلام الشاب أو الاعتقاد به، لمَ لا تتفكرون فيه قليلًا {يَا أُولِي الأَلبَاب

[ يا خيرُ ربي ]

لمَ تستهين بقدرك؟
يا من أتى
بجنود خيرٍ اتجاهها هالتي

بيضاء صارت
مستنيرة
وظلها
قد غادر الدنيا
كحالِ كآبتي

أخبرتني أني السعادة كلها
ووجودي وحدي
ضامنٌ لسعادتي

أنا إن ضحكتُ مرةً
من دونكَ
أضعافها تشهد
وأنتَ برفقتي

يا خيرُ ربي
يا هباتٌ أُنزِلت
من عنده
ليزيح عني كربتي

لا تستهِن بمكانتك عندي
ولا
تنكر حلاوة
كونك بمعيتي



19 أغسطس 2017م

[ لو كنتَ هُنا ]

أترجم لكم من الفرنسية هذه الكلمات التي كتبتها وغنتها الفرنسية لوان إمرا
إثر فقدها لوالدها الراحل قبل أن تتبعه والدتها بعام واحد.

لو كنتَ هُنا

أحيانًا ما أفكر بك
على متن العربات
أسوأها في السفر
كخوض المغامرات

حيث تحيي أغنية ما
إحدى الذكريات
والأسوأ
أن تراودني أسئلة
بلا إجابات :

“هل تراني؟
أتسمعني؟
ماذا كنت لتقول
لو كنتَ هُنا؟

أتلك رسائل
منكَ تصلني؟
ماذا كنت لتفعل
لو كنتَ هُنا؟”

أروي لنفسي حكايات
كي أنام
ولتنام معي الآلام
وأبتسم..

أصوّر فيها حوارات
مع أناس
لا وجود لهم بيننا
في الأساس..

لا آبه بالخوف
من أن لا أصطبر
موقنة بقربك
وإن كان ضربًا من الجنون..

فُطر المجانين
على كشف المستتر
وعلى أن يجعلوا
الركاب ينتحبون..

هل تراني؟
أتسمعني؟
ماذا كنت لتقول
لو كنتَ هُنا؟

أتلك رسائل
منكَ تصلني؟
ماذا كنت لتفعل
لو كنتَ هُنا؟


Louane – SI T’ÉTAIS LÀ

[ أنا قوي.. أنا قوي! ]

دائمًا ما أفكر في الفئات التي تسعى لإثارة الجدل وتصنف نفسها في تيارات وتحت مسميات معينة، وأصل لتحليل أنها لو لم تكن تشعر بضعفها لما فعلت كل هذه الضجة.


بمعنى أن القوي لا يحتاج لأن يردد “أنا قوي، أنا قوي”، بينما الضعيف ليقوى يردد ذلك لنفسه، وإن لم يكن قادرًا على التطور والتخلص من ضعفه أقحم الناس كلهم وردد على مسامعهم: ” أنا قوي، أنا قوي.”


يطول شرح هذا الأمر ويصعب حصر أمثلته والمعنيين فيه، لذا ما زلت لا أشعر بأني على استعداد لطرح شرح مطول عنه وتفسيره، لاعتقادي بأن المعنى المقصود لن يصل إلا لبضعة أفراد، وأنه قد يُرى كهجوم على جنس أو عرق أو دين.

بالمناسبة، أذكر محاضرة للدكتور عبدالله الغذامي حضرتها منذ عام تقريبًا حكى فيها عن الأخوية النسوية، وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذا المصطلح: “الأخوية”، فسر عندها الدكتور الأخوية النسوية بأن المرأة قد تكون عدوة للمرأة.. بعيدًا عن صحة ذلك من عدمها، بدأت أسأل نفسي منذ تلك الليلة: يا ترى من ذا الذي قد يعادي شبيهه؟ وما أسبابه؟


حتى اليوم، وجدت أن معاداة المتشابهين لبعضهم غالبًا ما تحصل في الأقليات أو الفئات المضطهدة من المجتمع أو غيرها، أي أن الفئات الأقل سلطة في المجتمع قد تخلق العداوة بين أفرادها بشكل أكبر من الفئات الأكبر سلطة، لكنها في المواقف الشبيهة بالغربة قد تكون صديقة جدا.

ليست العداوة فقط ما يمكن ملاحظته في هذه الحالة، بل أيضًا قلّة التميّز، بمعنى أنه كلما كان لفئة ما سلطة أكبر من الفئات الأخرى، كان تنوعها أكبر، فتجد أفرادها مختلفين من منطقة لأخرى ومن دولة لأخرى بينما الفئات الصغيرة الأقل سلطة أو الأقليات يتشابه أفرادها في أي مكان على وجه الأرض إلى حد كبير جدا في العادات والطباع والأفكار.


نسبة كبيرة مما سبق قد يكون باطلًا أو أن غيري يلحظ نقيضه، ربما غفلت عن جزء كبير من الصورة ولم ألحظه قط وبعد، وقد أكون أدركته جيدًا.. على كل حال، هذا الأمر مثير للاهتمام.. أليس كذلك؟

Create a website or blog at WordPress.com قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑